وبتأملنا لنموذج خلافة عمر الذي سقناه في الصفحات السابقة ندرك كيف كانت خلافة الصدر الأول -أو خلافة الخلفاء الراشدين- مثالاً للخلافة الصحيحة الشرعية، وأنها النموذج الذي تستنبط منه الأسس والمبادئ التي يجب أن يبنى عليها نظام الحكم الإسلامي، وبمعنى آخر: هي النموذج العملي للتربية السياسية في الإسلام.
والتربية السياسية كما بدت في حياة عمر رضي الله عنه كانت تقوم على عدة دعائم أو مقومات هي: المساواة، والعدل، والشورى، وحقوق المسلم على الحاكم، وواجباته؛ فكان إذا أعياه أن يجد في القرآن أو السنة حكم ما نزل به نظر هل كان لأبي بكر رضي الله عنه فيه رأيٌ، فإن وجد أخذ به، وإلا جمع رؤوس الناس وعلماءهم فاستشارهم، فإن اجتمعوا على أمر أخذ به. كما حرص عمر بن الخطاب رضي الله عنه على أن يوسع قاعدة العمل بالشورى، فلم يقتصر على العلماء والقراء الذين كانوا أصحاب مشورته، بل كان إذا نزل به الأمر المعضل دعا الفتيان فاستشارهم يقتفي حدة عقولهم، وكان يستشير المرأة فربما أبصر في قولها الشيء يستحسنه فيأخذ به.
أما حقوق الرعية في اختيار الحاكم ونقده وتقويمه والاتصال المباشر به، فقد برزت في حياة عمر رضي الله عنه بشكل واضح؛ فلم يعتبر عمر رضي الله عنه نقد الرعية ومحاسبتها للحاكم حقًا لها فحسب، بل كان يزيد على ذلك فيجعل أحب الناس إليه من يواجهه بعيوبه: ?أحب الناس إليَّ من رفع إليَّ عيوبي»[1]، ولم يعرف عنه أنه احتجب عن رعيته أو اتخذ من دونهم بابًا، وقد أعرب عن ذلك الهرمزان عندما أتى به المسلمون مأسورًا إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو نائم في المسجد، فيسأل الهرمزان عن حراسه وحجابه، فيقولون: ليس له حارس ولا حاجب، فيقول الهرمزان: (ينبغي له أن يكون نبيًا) فقالوا: ?بل يعمل بعمل الأنبياء»[2].
وللرعية كذلك الحق في التعليم؛ لأنه في مقدمة الحقوق التي يجب على الرعية والحاكم في الإسلام القيام بها حتى تتمكن الرعية من المشاركة السياسية بوعي وفهم، فقبل اتساع الفتوحات الإسلامية كان الراشدون يُعلِّمون بأنفسهم مع غيرهم من الصحابة، وكانوا يعلمون من فوق المنبر في المسجد وفي مجالسهم وفي كل مكان يتيسر فيه أمر التعليم، ولما اتسعت الفتوحات وانتشر الإسلام كانوا يرسلون بالمعلمين إلى الأمصار، كما كانوا يعهدون بالولاية والقضاء إلى كبار الصحابة حتى يكون التعليم في مقدمة مهامهم الأساس.
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ينص في كتبه إلى المسلمين في الأمصار على أن مهمة ولاته هي التعليم؛ نرى ذلك مثلاً فيما كتبه إلى عامة المسلمين في الأمصار قائلاً: ?إني لم أستعمل عليكم عمالاً ليضربوا أبشاركم وليشتموا أعراضكم ويأخذوا أموالكم، ولكني استعملتهم ليعلموكم كتاب ربكم وسنة نبيكم»[3]، ويخطب عمر رضي الله عنه الناس يوم الجمعة، فيقول: ?اللهم إني أَشهَدُ على أمراء الأمصار، فإني إنما بعثتهم ليعلموا الناس دينهم وسنة نبيهم»[4].
وكان الولاة الذين يبعث بهم عمر رضي الله عنه إلى الأمصار الإسلامية يؤكدون للمسلمين أن مهمتهم الأساس هي التعليم؛ نرى ذلك فيما أعلنه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه عندما أرسله عمر رضي الله عنه واليًا على البصرة، فقال: ?إن أمير المؤمنين بعثني أعلمكم كتاب ربكم وسنة نبيكم»[5]. ومن ثم، فمهمة الولاة وواجبهم الأساس أن يكونوا أئمة ومربين ولا يكونوا جباة عاتين.
ولا شك أن مثل هذه الممارسات - في مختلف جوانب تربية الشخصية - قد هيَّأت لعملية التربية والتعليم مناخًا رائعًا من الحرية الفكرية، وحققت مزيدًا من النشاط والاجتهاد في مجال العلم والفقه.