روى الطبراني في معجمه الأوسط بإسنادٍ حسن عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: ?ثلاث مهلكات وثلاث منجيات، وثلاث كفارات، وثلاث درجات: فأما المهلكات فشحٌّ مطاع، وهوىً متبع، وإعجابُ المرءِ بنفسه...» [1]. ولإزالة هذا المعوق ينبغي لمن آنس في نفسه عدم الاستماع للآخرين، وكان متشبثاً برأيه، أن يتذكر خير البرية محمدًا ﷺ وكيف كان يسمع لأصحابه ويترك رأيه لرأيهم في ما ليس فيه وحي؛ كما في سماعه لرأي أم سلمة في الحديبية وأَخْذه بمشورتها في حلقه لرأسه ونحره لهديه ﷺ؛ ليقتدي به أصحابه بعد إحجامهم حزنًا على عدم إتمامهم للعمرة. وكما أخذ برأي شباب الصحابة رضي الله عنهم في الخروج لأحد وعدم مواجهة المشركين داخل المدينة، وكما أخذ برأي السعدين في الأحزاب حين أراد أن يعطي غطفان ثلثَ ثمار المدينة ويرجعوا، فقال السعدان: لا نعطيهم إلا السيف. وكما أخذ برأي الحُباب بن المنذر في الرواية المشهورة -وإن لم يكن سندها قويًا- حين أشار رضي الله عنه بتغيير مكان نزول جيش المسلمين في بدر، وكما أخذ برأي عمر رضي الله عنه حين قال له: يا رسول الله، بأبي أنت، وأمي، أبعثت أبا هريرة بنعليك، من لقي يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه بشره بالجنة؟ قال: ?نعم»، قال: فلا تفعل؛ فإني أخشى أن يتكل الناس عليها، فَخَلِّهِم يعملون، قال رسول الله ﷺ: ?فَخَلِّهِم»[2].
وقد وعى عمر رضي الله عنه هذا الخُلُقَ عن رسول الله ﷺ، فكان مع قوَّته وشدَّته يسمع للرجال والنساء، وربما ترك رأيه لرأيهم؛ كما ورد عن عبد الرحمن بن عوفرضي الله عنه أن رجلاً قال لعمر: إن فلانا يقول: لو مات أمير المؤمنين لبايعنا فلانًا، (والمعنى أنهم يَثِبُون على الأمر بغير عهدٍ ولا مشاورة) فقال عمر: لأقومن العشية فأحذر هؤلاء الرهط الذين يريدون أن يغصبوهم، قلت: لا تَفْعَلْ؛ فإن الموسم يجمع رعاع الناس، يَغْلِبون على مجلسك، فأخاف أن لا ينزلوها على وجهها، فيطير بها كل مُطِيرٍ، فأمْهِل حتى تقدم المدينة دار الهجرة ودار السنة، فتخلص بأصحاب رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار، فيحفظوا مقالتك وينزلوها على وجهها، فقال: والله لأقومن به في أول مقام أقومه بالمدينة[3].