حجم الخط:

أ) التربية الجسمية:

لأن الجسم القوي هو عدة المسلم التي تمكنه من أداء الفرائض الأساس والتكاليف الشرعية، تبدت عناية الخليفة الراشد عمر رضي الله عنه بالتربية الجسمية، سواء على مستوى القول أو على مستوى الممارسة والتطبيق في بعض المظاهر المهمة؛ كالحث على إعطاء الجسم حقه من الغذاء والنظافة والملبس والشهوة، والأخذ بالقواعد الصحية السليمة في المأكل والمشرب، والتداوي من الأمراض، والبعد عن الأماكن الموبوءة والأشخاص القابلين لنقل العدوى، وممارسة الرياضة البدنية بأنواعها المختلفة: كالسباحة، والرماية، وركوب الخيل، والمصارعة.

فقد بلغ اهتمام عمر بن الخطاب رضي الله عنه بضرورة إعطاء الجسم حقه من الغذاء أنه أسقط حد القطع عن السارق عام المجاعة، ورفض أن يطبق الحد على غلمة حاطب بن أبي بلتعة إذ سرقوا ناقة لرجل من مزينة وانتحروها وأكلوها، وقال عمر لعبد الرحمن بن حاطب: ?لولا أني أظن أنكم تجيعونهم حتى أن أحدهم أتى ما حرم الله عز وجل لقطعت أيديهم، ولكن والله لئن تركتهم لأغرمنك فيهم غرامة توجعك» ثم قال عمر للمزني: ?كم ثمن ناقتك؟ قال: كنت أمنعها من أربعمائة، فقال عمر لعبد الرحمن بن حاطب: فأعطه ثمانمائة»[1].

وكان عمر رضي الله عنه يحث الإنسان المسلم على النظافة والزينة؛ وذلك عندما جاءته امرأة برفقة زوجها وهي تقول: ?لا أنا ولا هذا» فعرف كراهيتها له، فنظر إليه فإذا هو أشعث أغبر، فأرسله ليستحم ويأخذ من شعره وأظافره ويصلح من شأنه، فلما عاد أنكرته، ولما عرفته قبلت به وعادت إلى بيتها، فقال عمر رضي الله عنه: ?هكذا فاصنعوا لهن، فو الله إنهن ليحببن أن تتزينوا لهن كما تحبون أن يتزينَّ لكم».

وقد حرص عمر رضي الله عنه كذلك على توجيه الإنسان المسلم في غذائه وملبسه وشهوته وفق الضوابط الإسلامية، ومن هذه الضوابط أن يكون ما يتغذى به الإنسان المسلم حلالاً طيبًا، وألا يفرط في الطعام، وأن يكون إشباعه لشهواته من طريق الحلال؛ فقد روى مالك في الموطأ أن عمر بن الخطاب بعد أن شرب لبنًا أعجبه، ثم علم أنه من الصدقة، أدخل يده في جوفه واستقاءه. كما نهى عمر رضي الله عنه الإنسان عن الإفراط في الطعام لئلا يؤدي إلى السمنة التي قد تكون مرضًا يحول دون قيام المسلم بواجباته العبادية والجهادية والمعيشية، فيقول عمر: ?إياكم والبطنة من الطعام؛ فإنها مكسلة عن الصلاة، مفسدة للجسم مورثة للسقم، وإن الله عز وجل يبغض الحبر السمين، وعليكم بالقصد في قوتكم فإنه أدنى من الإصلاح وأبعد من السرف وأقوى على عبادة الله عز وجل، ولن يهلك عبد حتى يؤثر شهوته على دينه».

كما تبدى حرص عمر رضي الله عنه على مراعاة الرغبات الغريزية في الإنسان وضرورة إشباعها ولكن بالطريقة الشرعية؛ فقد رُوي أنه كان لا يدع مجاهدًا يغيب عن زوجته أكثر من أربعة أشهر أو ستة، كما كان يجند في جيوش المسلمين غير المتزوجين ويدع المتزوجين ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.

ومن مظاهر العناية بالتربية الجسمية:

الأخذ بقواعد الصحة البدنية وممارسة العادات الصحية السليمة في المأكل والمشرب؛ كنظافة الأيدي والأواني المستخدمة في الطعام، وكيفية المحافظة عليه، واختيار الثياب الصحية، فكان عمر رضي الله عنه يختار من الثياب ما هو أصح للجسم وأنشف للعرق، وكان ينصح المسلمين بحمامات الشمس والسواك والصوم لتكون وسائل مهمة في المحافظة على صحة الجسم؛ فقد روي عنه أنه قال: ?استقبلوا الشمس بجباهكم فإنها حمام العرب»[2].

كما روي عنه رضي الله عنه أنه أحجم عن قدوم الشام بجنوده لما علم بانتشار الوباء بها في سنة سبع عشرة من الهجرة، وكتب إلى أبي عبيدة بن الجراح يستخرجه من المكان الموبوء، ولما طلب أبو عبيدة استعفاءه من الخروج، كتب إليه عمر ثانية أن يرفع الناس إلى أرض مرتفعة نزهة بدلاً من الأرض التي أنزلهم بها والتي تتميز بفساد الريح وخمومها، فنزل أبو عبيدة بالناس حتى نزل الجابية ورفع عن الناس الوباء، ولكنه كان قد أصابه الطاعون فأودى بحياته رضي الله عنه[3].

ومنع عمر بن الخطاب رضي الله عنه امرأة مجذومة كانت تطوف بالبيت حتى لا تؤذي الطائفين من الأصحاء، وقال لها: يا أمة الله لا تؤذي الناس، لو جلست في بيتك! ففعلت، ثم مر بها رجل بعد ذلك، فقال لها: إن الذي نهاك قد مات فاخرجي، فقالت: ما كنت لأطيعه حيًا وأعصيه ميتًا[4].

وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يمارس ألوانًا مختلفة من الرياضات؛ كالمصارعة، وركوب الخيل، والسباحة.

وكتب إلى المسلمين في الأمصار الإسلامية يأمرهم بأن يعلموا أولادهم الرياضة البدنية؛ كالسباحة، والرمي، وركوب الخيل[5].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة