الصدق في القول هو مطابقة القول للواقع وهو ضد الكذب، والصدق مع الله قبل الصدق مع الناس، وفي كلام الماورديّ رحمه الله عن بواعث الصّدق إشارة إلى أهميته لقبول الناس لقول الداعية؛ حيث قال: (العقل: من حيث كونه موجبًا لقبح الكذب، والشّرع: حيث ورد بوجوب اتّباع الصّدق وحظر الكذب، والله سبحانه لم يشرع إلاَّ كلّ خير، والمروءة: لأنّها مانعة من الكذب باعثة على الصّدق، وحبّ الاشتهار بالصّدق: فمن يتمتّع بهذا الاشتهار بين النّاس، لا يردّ عليه قوله، ولا يلحقه ندم)[1].
والقرآن يحفل بالآيات الداعية للصدق؛ كما في قصة الثلاثة الذين خلفوا في غزوة تبوك، وما أصابهم من الابتلاء لصدقهم مع رسول الله ﷺ، ثم ما نزل من التوبة عليهم؛ قال الله تعالى: ﭽ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﭼ [التوبة: ١١٩]، وقال تعالى: ﭽ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا ﭼ [الإسراء: ٨٠].
وعندما جاء عبدالله بن سلام إلى النبي ﷺ قال عنه: ?عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب»[2]؛ ذلك لظهور أثر الصدق على وجهه ﷺ وفي كلامه، فكلام الإنسان الصادق يؤثر أثرًا بالغًا. أما الكذب فهو من أقبح الخصال وأرذل الرذائل، وهو يفقد الثقة في الداعية، وفي مصداقية دعوته، ولرب كذبة واحدة يعرفها الناس عن الداعية تسقطه عندهم، وتحول بينهم وبين قبول دعوته، كما أن على الداعية الحذر من استخدام التورية[3]؛ لأن فيها فتنة للمدعوين، الذين قد لا يفرقون بينها وبين الكذب، واسمع لهذا الأثر العظيم عن علي رضي الله عنه: ?من كانت له عند النّاس ثلاث وجبت له عليهم ثلاث؛ من إذا حدّثهم صدقهم، وإذا ائتمنوه لم يخنهم، وإذا وعدهم وفّى لهم، وجب له عليهم أن تحبّه قلوبهم، وتنطق بالثّناء عليه ألسنتهم، وتظهر له معونتهم»[4].
ومن صدق الداعية تصديق قوله بفعله، ومقالته بقدوته؛ فقد قيل: إن الصدق استواء السّرّ والعلانية، والظّاهر والباطن بألاَّ تكذّب أحوال العبد أعماله، ولا أعماله أحواله، وقال القشيريّ: (الصّدق أن لا يكون في أحوالك شوب، ولا في اعتقادك ريب، ولا في أعمالك عيب)[5].