الرحمة هي الرقة والعطف والرأفة[1]،وهي: رِقَّةُ القلب في الـمُكلَّف، تُوجِبُ بذلَ الخير ونفعَ المرحوم، وكفَّ الأذى عنه[2]، وهذا الخلق هو الوقود الذي يحرك الداعية لنفع الناس والإحسان إليهم، والحرص على نجاتهم وتبصيرهم بالحق.
قال الله تعالى: ﭽ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﭼ [التوبة: ١٢٨]، فكم يحتاج الداعية إلى الله أن يتأمل في سيرة نبينا محمدٍ ﷺ ليتعرف على رحمته وشفقته على أمته، وهو الذي قال الله عنه: ﭽ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﭼ [الأنبياء: ١٠٧]، والذي قال عن نفسه عندما قيل له: يا رسول الله ! ادع على المشركين. قال: ?إني لم أبعث لعَّانًا وإنما بعثت رحمة»[3]. وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت للنبي ﷺ: هل أتى عليك يوم أشد من يوم أحد؟ قال: ?لقد لقيت من قومك ما لقيتُ، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة؛ إذ عرضتُ نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردتُ، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردُّوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال، وسلم علي، ثم قال: يا محمد، إن الله قد سمع قول قومك لك، وإني ملك الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك، فما شئتَ، إن شئتَ أن أطبق عليهم الأخشبين؟ فقال النبي ﷺ: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئًا»[4].
وليعلم الداعية أن رحمته بالناس سبيل رحمة الله له؛ يقول الرسول ﷺ: ?إنما يرحم الله من عباده الرحماء»[5]. وبالرحمة يهون على الداعي ما يصيبه من أذى الناس، فيتحمل أذاهم ولسان حاله يقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون، والرحمة في قلب الداعية تمنعه من احتقار العصاة، فيكلمهم بلسان الرحيم بهم المشفق عليهم، وهذا من أسباب الاستجابة له من المدعوين حينما يرون رحمته بهم وشفقته عليهم.