اهتمَّ عمر رضي الله عنه اهتمامًا واضحًا بتربية الشخصية المسلمة على القيم والفضائل وحسن الخلق، وضرورة تطابق النية مع السلوك، والقول مع الفعل؛ حتى تكون الشخصية المسلمة خَيِّرَةً تحقق السعادة لنفسها وغيرها.
والذي يتأمل بعض أقوال عمر بن الخطاب رضي الله عنه بشيء من الإمعان يجد أنه يردُّ الأخلاق إلى أصل واحد هو الدين، والدين مصدره القرآن والسنة، وهذا يعني أن الأخلاق عنده هي الدين، ويتضح هذا من قوله: ?كرم الرجل دينه، وحَسَبُه خُلُقه وإن كان فارسيًا أو نبطيًا»[1]، وقوله: ?حَسَبُ المرء دينُه، ومروءته خُلُقه، وأصله عقله» [2].
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يرى أن هناك حاسة أخلاقية موجودة في النفس الإنسانية بالفطرة، فيقول: ?الشجاعة والجبن غرائز تكون في الرجال، ويقاتل الشجاع عما لا يعرف، ويفر الجبان عن أمّه»[3]. وهذا يعطي التربية مكانةً مهمةً في تنمية هذه الحاسة الأخلاقية وتربيتها، بحيث تسعى التربية الأخلاقية إلى إبراز الفضائل وتثبيتها وتنميتها، وإزالة الرذائل واستئصالها من الشخصية المسلمة.
ومن ثم يحث عمر بن الخطاب رضي الله عنه الإنسان المسلم على أن يعمل جاهدًا على تغليب الأخلاق الفاضلة والصالحة لديه، وأن يدع الأخلاق السيئة، حتى لا تسري عدوى الأخلاق السيئة على الأخلاق الحسنة فتفسدها، فيقول: ?قد يكون في الرجل عشرة أخلاق؛ تسعة صالحة وواحد سيء، فيفسد التسعةَ الصالحةَ ذلك السيءُ»[4].
كما يحث عمر رضي الله عنه الإنسان المسلم على حسن الخلق، فيقول: ?أحبكم إلينا أحسنكم أخلاقًا»، وينهى عمر عن سوء الخلق، فيقول: ?إياك والغضب والغلق والضجر والتأذي بالناس»[5]، فهو ينهى عن ضيق الصدر وقلة الصبر، يقال في سوء الخلق: ?رجل غلق»، أي: غلق الخير.
وفيما يتعلق بالتطابق بين النية والسلوك في الحكم على الالتزام بالأخلاق نرى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يركز على السلوك الخلقي الظاهر؛ لأن النية لا يعلمها إلا الله، فيقول في أحد كتبه إلى واليه على البصرة أبي موسى الأشعري: ?إن الله تولى من العباد السرائر وستر عليهم الحدود إلا البينات والأيمان»[6]. يريد أن من ظهر منه علانية خير قبلناها منه ووكلنا سريرته إلى الله سبحانه وتعالى؛ فإن الله لم يجعل أحكام الدنيا على السرائر بل على الظواهر، والسرائر تبع لها، وأما أحكام الآخرة فعلى السرائر، والظواهر تبع لها، ولعل هذا يفسر لنا قول عمر: ?من أسر شيئًا أخذ بسريرته، ومن أعلن شيئًا أخذ بعلانيته، فأظهروا لنا أحسن أخلاقكم والله أعلم بالسرائر، فإنه من أظهر شيئًا وزعم أن سريرته حسنة لم نصدقه، ومن أظهر لنا علانية حسنة ظننا به حسنًا»[7]، وقوله: ?من أظهر لنا خيرًا ظننا به خيرًا وأحببناه عليه، ومن أظهر لنا شرًا ظننا به شرًا وأبغضناه عليه»[8].
ومن ثم فالمعيار الذي يرجحه عمر بن الخطاب رضي الله عنه للأخلاق هو السلوك وتجربة الناس ومعاملتهم في هذه الحياة؛ لأن سرائرهم يعلمها الله. وحين أثنى رجل على آخر أمامه سأله: ?أصحبته في السفر أو عاملته؟» فلما أجاب نفيًا، قال: ?فأنت القائل بما لا تعلم»[9].
ومع اهتمام عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالسلوك الخلقي الظاهر إلا أنه لا يهمل النية بصفتها دافعًا للسلوك الأخلاقي، وهذا ما نلحظه في كتاب عمر نفسه إلى أبي موسى الأشعري واليه على البصرة، حينما يقول له: ?من خلصت نيته في الحق ولو على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تخلق للناس بما يعلم الله أن ليس من نفسه شانه الله؛ فإن الله تعالى لا يقبل من العباد إلا ما كان خالصًا، فما ظنك بثواب عند الله عز وجل في عاجل رزقه وخزائن رحمته»[10].
ويشير قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه السابق إلى أهمية تطابق النية مع السلوك والقول مع الفعل، فيقول: ?ومن تخلق للناس» أي: أظهر للناس في خلقه خلاف نيته؛ لأن قوله: ?تخلق» يريد أظهر الخلق تصنعًا، ومن أظهر الخلق تصنعًا وافتعالاً بما يعلم الله أنه ليس من خلقه ?شانه الله».