الآية (188): أَمَره الله تعالى أن يفوّض الأمور إليه، وأن يخبر عن نفسه أنه لا يعلم الغيب المستقبل، ولا اطلاع له على شيء من ذلك إلا بما أطلعه الله عليه؛ كما قال تعالى: ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا ﴿٢٦﴾ إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا ﴾ [الجن:26-27].
وقوله: ﴿ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ ﴾ قال مجاهد: لو كنت أعلم متى أموت، لعملت عملًا صالحًا. وقال مثله ابن جُرَيْج. وفيه نظر؛ لأن عمل رسول الله ﷺ كان دِيمَةً [متفق عليه]. وفي رواية: كان إذا عَمِل عملًا أَثْبَتَه [رواه مسلم]. فجميع عمله كان على منوال واحد؛ كأنه ينظر إلى الله عز وجل في جميع أحواله، اللهم إلا أن يكون المرادُ أن يُرشِدَ غيره إلى الاستعداد لذلك، والله أعلم. والأحسن في هذا ما رواه الضحاك، عن ابن عباس: ﴿ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ ﴾ أي: من المال. وفي رواية: لعلمتُ إذا اشتريت شيئًا ما أربح فيه، فلا أبيع شيئًا إلا ربحت فيه وما مسني السوء، ولا يصيبني الفقر.
وقال ابن جرير: وقال آخرون: معنى ذلك: لو كنت أعلم الغيب لأعددت للسنة الْـمُجْدِبَة من الـمُخْصِبَة، ولوقت الغَلاء من الرخص، فاستعددت له من الرخص. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ﴾ قال: لاجتنبت ما يكون من الشر قبل أن يكون واتَّقَيته. ثم أخبر أنه إنما هو ﴿ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ ﴾، أي: نذير من العذاب، وبشير للمؤمنين بالجنات.
الآية (189-190): يُنَـبِّه تعالى على أنه خلق جميع الناس من آدم عليه السلام وأنه خلق منه زوجته حواء، ثم انتشر الناس منهما؛ كما قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ﴾ [الحجرات:13].
﴿ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ﴾ أي: ليألفها ويسكن بها؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾ [الروم:21]، فلا أُلْفَة بين روحين أعظم مما بين الزوجين. ﴿ فَلَمَّا تَغَشَّاهَا ﴾ أي: وَطِئها ﴿ حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا ﴾؛ وذلك أول الحمل، لا تجد المرأة له ألمًا، إنما هي النُّطفة، ثم العَلَقة، ثم المُضغة. وقوله: ﴿ فَمَرَّتْ بِهِ ﴾ قال مجاهد: استمرت بحمله. وقال أيوب: سألتُ الحسن عن قوله: ﴿ فَمَرَّتْ بِهِ ﴾ قال: لو كنتَ رجلًا عربيًا لعرفتَ ما هي. إنما هي: فاستمرَّت به. وقال ابن جرير: معناه: استمرت بالماء، قامت به وقَعَدَت.
﴿ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ ﴾ أي: صارت ذات ثقل بحملها. وقال السُّدي: كَبُر الولد في بطنها. ﴿ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا ﴾ أي: بشرًا سويًّا.
روى ابن جرير عن الحسن: ﴿ جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا ﴾ قال: كان هذا في بعض أهل الملل، ولم يكن بآدم. وقال الحسن: عَنى بها ذرية آدم، ومن أشرك منهم بعده؛ يعني: ﴿ جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا ﴾.
وكان الحسن يقول: هم اليهود والنصارى؛ رَزَقهم الله أولادًا، فهوَّدوا ونَصَّروا. وهذه أسانيد صحيحة عن الحسن رحمه الله- أنه فسَّر الآية بذلك، وهو من أحسن التفاسير وأولى ما حُملَت عليه الآية، فليس المراد من هذا السياق آدم وحواء، وإنما المراد من ذلك المشركون من ذريته؛ ولهذا قال الله: ﴿ فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ فذكر آدم وحواء أولًا كالتوطئة لِـمَا بعدهما من الوالدين، وهو كالاستطراد من ذكر الشخص إلى الجنس؛ كقوله: ﴿ وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ ﴾ [الملك:5]، ومعلوم أن المصابيح -وهي النجوم التي زُيِّنَتْ بها السماء- ليست هي التي يُرْمَى بها، وإنما هذا استطراد من شخص المصابيح إلى جنسها، ولهذا نظائر في القرآن، والله أعلم.
الآية (191-195): هذا إنكار من الله على المشركين الذين عبدوا مع الله غيره من الأنداد والأصنام والأوثان، وهي مخلوقة لله مربوبة مصنوعة، لا تملك شيئًا من الأمر، ولا تضرُّ ولا تنفع، ولا تُبصِر، ولا تنتصر لعابديها، بل هي جماد لا تتحرك ولا تسمع ولا تُبصر، وعابِدُوها أكمل منها بسمعهم وبصرهم وبطشهم؛ ولهذا قال: ﴿ أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴾ أي: أيشركون به من المعبودات ما لا يخلق شيئًا ولا يستطيع ذلك؛ كما قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ﴿٧٣﴾ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ [الحج:73-74] أخبر تعالى أنه لو اجتمعت آلهتهم كلها ما استطاعوا خلق ذبابة، بل لو سلبتهم الذبابة شيئًا من حَقير المطاعم وطارت، لَـمَا استطاعوا إنقاذه منها، فمن هذه صفته وحاله، كيف يُعبَد ليَرزُق ويُسْتَنْصَر؟! ولهذا قال تعالى: ﴿ لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴾ أي: بل هم مخلوقون مصنوعون، كما قال الخليل: ﴿ قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ ﴿٩٥﴾ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [الصافات:95-96]. ثم قال تعالى: ﴿ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا ﴾ أي: لعابديهم، ﴿ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ ﴾ يعني: ولا لأنفسهم ينصرون ممن أرادهم بسوء؛ كما كان الخليل يكسِّر أصنام قومه ويُهينُها غاية الإهانة؛ كما أخبر تعالى عنه في قوله: ﴿ فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ ﴾ [الصافات:93]، وقال تعالى: ﴿ فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ ﴾ [الأنبياء:58].
وقوله: ﴿ وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَىٰ لَا يَتَّبِعُوكُمْ ۚ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ ﴾ يعني: هذه الأصنام لا تسمع دعاء من دعاها، وسواءٌ لديها من دَعَاهَا ومن دَحَاهَا؛ كما قال إبراهيم: ﴿ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا ﴾ [مريم:42]، ثم ذكر تعالى أنها عبيد مثل عابديها؛ أي: مخلوقات مثلهم، بل الأناسيّ أكمل منها؛ لأنها تسمع وتبصر وتبطش، وتلك لا تفعل شيئًا من ذلك.
وقوله: ﴿ قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ ﴾ أي: استنصروا بها عليَّ، فلا تُؤَخِّروني طرفة عين، وَاجْهَدُوا جُهدَكم!