حجم الخط:

الآيات (1-11)

الآية (1-2): قد تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أول سورة «البقرة» بما أغنى عن إعادته.

وقوله: ﴿ تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ أي: لا شك فيه ولا مرية أنه منزل ﴿ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ .

الآية (3): ثم قال مخبرًا عن المشركين: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ بل يقولون ﴿ افْتَرَاهُ أي: اختلقه من تلقاء نفسه، ﴿ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ أي: يتبعون الحق.

الآية (4): يخبر تعالى أنه الخالق للأشياء، فـ﴿ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ . قوله: ﴿ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أي: بل هو المالك لأَزِمَّةِ الأمور، الخالق لكل شيء، المدبر لكل شيء، القادر على كل شيء، فلا ولي لخلقه سواه، ولا شفيع إلا من بعد إذنه.

﴿ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ يعني: أيها العابدون غيره، المتوكلون على من عداه، تعالى وتقدّس وتنزّه أن يكون له نظير أو شريك أو نديد، أو وزير أو عديل، لا إله إلا هو ولا رب سواه.

الآية (5): قوله: ﴿ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ أي: يتنزل أمره من أعلى السموات إلى أقصى تخوم الأرض السابعة؛ كما قال الله تعالى: ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [الطلاق:12].

وتُرفع الأعمال إلى ديوانها فوق سماء الدنيا، ومسافة ما بينها وبين الأرض مسيرة خمسمائة سنة، وسُمْكُ السماء خمسمائة سنة.

وقال مجاهد، وقتادة، والضحاك: النزول من الملك في مسيرة خمسمائة عام، وصعوده في مسيرة خمسمائة عام، ولكنه يقطعها في طرفة عين؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ .

الآية (6): ﴿ ذَٰلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أي: المدبر لهذه الأمور الذي هو شهيد على أعمال عباده، يُرفع إليه جليلها وحقيرها، وصغيرها وكبيرها، هو ﴿ الْعَزِيزُ الذي قد عزَّ كل شيء فقهره وغَلَبَه، ودانت له العباد والرقاب، ﴿ الرَّحِيمُ بعباده المؤمنين. فهو عزيز في رحمته، رحيم في عزته، وهذا هو الكمال: العزة مع الرحمة، والرحمة مع العزة، فهو رحيم بلا ذل.

الآية (7): يقول تعالى مخبرًا أنه الذي أحسن خلق الأشياء وأتقنها وأحكمها. قال مالك عن زيد بن أسلم: ﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ : أحسن خلق كل شيء كأنه جعله من المقدم والمؤخر.

الآية (8): لَـمَّا ذَكَر خلق السموات والأرض شرع في ذكر خلق الإنسان فقال: ﴿ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ يعني: خلق أبا البشر آدم من طين.

الآية (9): ﴿ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ أي: يتناسلون كذلك من نطفة تخرج من بين صلب الرجل وترائب المرأة، ﴿ ثُمَّ سَوَّاهُ يعني: آدم، لما خلقه من تراب خلقه سويًا مستقيمًا، ﴿ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ يعني: العقول ﴿ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ أي: بهذه القوى التي رزقكموها الله عز وجل. فالسعيد من استعملها في طاعة ربه عز وجل.

الآية (10): يقول تعالى مخبرًا عن المشركين في استبعادهم المعاد حيث قالوا: ﴿ أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أي: تمزقت أجسامنا وتفرقت في أجزاء الأرض وذهبت ﴿ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أي: أئنا لَنَعُودُ بعد تلك الحال؟! يستبعدون ذلك، وهذا إنما هو بعيد بالنسبة إلى قُدرتهم العاجزة، لا بالنسبة إلى قُدْرة الذي بدأهم وخلقهم من العدم، الذي إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن، فيكون.

ولهذا قال: ﴿ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ .

الآية (11): ﴿ قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ الظاهر من هذه الآية أن ملك الموت شخص معين من الملائكة، وقد سمي في بعض الآثار بعزرائيل وهو المشهور، قاله قتادة وغير واحد، وله أعوان.

وهكذا ورد في الحديث أن أعوانه ينتزعون الأرواح من سائر الجسد، حتى إذا بلغت الحلقوم تناولها ملك الموت. قال مجاهد: حُويت له الأرض فجُعلت له مثل الطست، يتناول منها حيث يشاء.

وقوله: ﴿ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ أي: يوم معادكم وقيامكم من قبوركم لجزائكم.