الآية (1-4): تقدم الكلام في أول «سورة البقرة» [على] الحروف المقطعة في أوائل السور. ﴿ وَالْقَلَمِ ﴾ الظاهر أنه جنس القلم الذي يُكتب به؛ كقوله: ﴿ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴿٣﴾ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴾ [العلق:3-4]. فهو قسَمٌ منه تعالى، وتنبيه لخلقه على ما أنعم به عليهم من تعليم الكتابة التي بها تنال العلوم. ﴿ وَمَا يَسْطُرُونَ ﴾ قال ابن عباس: يعني: وما يكتبون. وقال السُّدي: يعني: الملائكة وما تكتب من أعمال العباد. وقال آخرون: بل المراد ههنا بالقلم الذي أجراه الله بالقدر حين كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرضين بخمسين ألف عام.
﴿ مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴾ أي: لست -ولله الحمد- بمجنون، كما قد يقوله الجهلة من قومك، المكذبون بما جئتهم به من الهدى والحق المبين، فنسبوك فيه إلى الجنون. ﴿ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ ﴾ أي: بل لك الأجر العظيم، والثواب الجزيل الذي لا ينقطع ولا يبيد على إبلاغك رسالة ربك إلى الخلق، وصبرك على أذاهم. ومعنى ﴿ غَيْرَ مَمْنُونٍ ﴾ أي: غير مقطوع؛ كقوله: ﴿ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾ [التين:6] أي: غير مقطوع عنهم. وقال مجاهد: أي: غير محسوب، وهو يرجع إلى ما قلناه. ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ قال ابن عباس: أي: وإنك لعلى دين عظيم، وهو الإسلام. وعن عائشة قالت: كان خلقه القرآن [رواه مسلم]. ومعنى هذا: أنه عليه السلام صار امتثالُ القرآن، أمرًا ونهيًا، سجيةً له، وخُلُقًا تَطَبَّعَهُ، وترك طبعه الجِبِلِّي، فمهما أمره القرآن فعله، ومهما نهاه عنه تركه. هذا مع ما جَبَله الله عليه من الخلق العظيم، من الحياء والكرم والشجاعة، والصفح والحلم، وكل خلق جميل.
الآية (5-7): ﴿ فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ ﴿٥﴾ بِأَيْيِكُمُ الْمَفْتُونُ ﴾ أي: فستعلم يا محمد، وسيعلم مخالفوك ومكذبوك: من المفتون الضال منك ومنهم، قال ابن عباس: ستعلم ويعلمون يوم القيامة. وعن ابن عباس: ﴿ بِأَيْيِكُمُ الْمَفْتُونُ ﴾ أي: المجنون. وقال قتادة: أي: أولى بالشيطان. ومعنى المفتون: الذي قد افتتن عن الحق وضل عنه.
وإنما دخلت الباء في قوله: ﴿ بِأَيْيِكُمُ الْمَفْتُونُ ﴾ لتدل على تضمين الفعل في قوله: ﴿ فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ ﴾ وتقديره: فستعلم ويعلمون، أو: فستخبر ويخبرون بأيِّكم المفتون. والله أعلم
﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾ أي: هو يعلم تعالى أي الفريقين منكم ومنهم هو المهتدي، ويعلم الحزب الضال عن الحق.
الآية (8-13): يقول تعالى: كما أنعمنا عليك وأعطيناك الشرع المستقيم والخلق العظيم ﴿ فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ ﴾. ﴿ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ﴾ قال ابن عباس: لو تُرَخِّص لهم فَيُرَخِّصون. وقال مجاهد: ودوا لو تَرْكَن إلى آلهتهم وتترك ما أنت عليه من الحق. ﴿ وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ ﴾ ذلك أن الكاذب لضعفه ومهانته إنما يتقي بأيمانه الكاذبة التي يجترئ بها على أسماء الله تعالى، واستعمالها في كل وقت في غير محلها. قال ابن عباس: المهين: الكاذب. وقال مجاهد: هو الضعيف القلب. وقال الحسن: كل حلاف مكابر مهين ضعيف. ﴿ هَمَّازٍ ﴾ قال ابن عباس وقتادة: يعني: الاغتياب. ﴿ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ ﴾ يعني: الذي يمشي بين الناس، ويحرِّش بينهم، وينقل الحديث لفساد ذات البين؛ وهي الحالقة. ﴿ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ ﴾ أي: يمنع ما عليه وما لديه من الخير، ﴿ مُعْتَدٍ ﴾ في تناول ما أحل الله له، يتجاوز فيها الحد المشروع، ﴿ أَثِيمٍ ﴾ أي: يتناول المحرمات. ﴿ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ ﴾ أما العُتُلّ: فهو الفَظّ الغليظ الصحيح، الجَمُوع المَنُوعُ. وأما الزنيم فروى البخاري عن ابن عباس قال: رجلٌ من قريش له زَنَمة مثل زَنَمة الشاة.
وإنما الزنيم في لغة العرب: هو الدَّعِيُّ في القوم. قاله ابن جرير وغير واحد من الأئمة. وقال سعيد ابن المُسيَّب: هو الملصق في القوم، ليس منهم. والزَّنْماء من الشياه: التي في عُنُقِها هَنتان معلقتان في حَلْقها. وعن سعيد بن جبير قال: الزنيم: الذي يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها. والأقوال في هذا كثيرة، وترجع إلى أن الزنيم هو: المشهور بالشر، الذي يُعرف به من بين الناس.
الآية (14-15): ﴿ أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ ﴿١٤﴾ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴾ هذا مقابلة ما أنعم الله عليه من المال والبنين، كفر بآيات الله وأعرض عنها، وزعم أنها كَذب مأخوذ من أساطير الأولين.
الآية (16): ﴿ سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ ﴾ قال ابن جرير: سنبين أمره بيانًا واضحًا، حتى يعرفوه ولا يخفى عليهم، كما لا تخفى السِّمة على الخراطيم. قال قتادة: شَين لا يفارقه آخر ما عليه. وقال ابن عباس: يقاتل يوم بدر، فيُخطم بالسيف في القتال. وقال آخرون: ﴿ سَنَسِمُهُ ﴾ سمة أهل النار، يعني: نسود وجهه يوم القيامة، وعبر عن الوجه بالخرطوم. وحكى ذلك كله ابن جرير، ومال إلى أنه لا مانع من اجتماع الجميع عليه في الدنيا والآخرة، وهو مُتّجه.