الآية (1): يخبر تعالى أن جميع ما في السموات وما في الأرض من شيء يسبح له ويمجده ويقدسه، ويصلي له ويوحده؛ كقوله تعالى: ﴿ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾ [الإسراء:44]. ﴿ وَهُوَ الْعَزِيزُ ﴾ أي: منيع الجناب ﴿ الْحَكِيمُ ﴾ في قدره وشرعه.
الآية (2): ﴿ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾ يعني: يهود بني النضير. قاله ابن عباس ومجاهد: كان رسول الله ﷺ لما قدم المدينة هادنهم وأعطاهم عهدًا وذمة، على ألا يقاتلهم ولا يقاتلوه، فنقضوا العهد الذي كان بينهم وبينه، فأحل الله بهم بأسه الذي لا يُرد، وأنزل عليهم قضاءه الذي لا يُصَدّ، فأجلاهم النبي ﷺ، وأخرجهم من حصونهم الحصينة التي ما طمع فيها المسلمون، وظنوا هم أنها مانعتهم من بأس الله، فما أغنى عنهم من الله شيئًا، وجاءهم ما لم يكن ببالهم، وسيّرهم رسول الله وأجلاهم من المدينة، فكان منهم طائفة ذهبوا إلى أذرعات من أعالي الشام، وهي أرض المحشر والمنشر، ومنهم طائفة ذهبوا إلى خيبر. وكان قد أنزلهم منها على أن لهم ما حملت إبلهم، فكانوا يخربون ما في بيوتهم من المنقولات التي يمكن أن تحمل معهم؛ ولهذا قال: ﴿ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ ﴾ أي: تفكروا في عاقبة من خالف أمر الله وخالف رسوله، وكذب كتابه، كيف يحل به من بأسه المُخزي له في الدنيا، مع ما يدخره له في الآخرة من العذاب الأليم.
﴿ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا ﴾ أي: في مدة حصاركم لهم وقِصَرها، وكانت ستة أيام، مع شدة حصونهم ومنعتها. ﴿ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ﴾ أي: جاءهم من أمر الله ما لم يكن لهم في بال. ﴿ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ﴾ أي: الخوف والهَلَع والجَزَع، وكيف لا يحصل لهم ذلك وقد حاصرهم الذي نُصر بالرعب مسيرةَ شهر. ﴿ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾ هو نقض ما استحسنوه من سقوفهم وأبوابهم، وتَحمُّلها على الإبل.
الآية (3): ﴿ وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا ﴾ أي: لولا أن كتب الله عليهم هذا الجلاء، وهو النفي من ديارهم وأموالهم، لكان لهم عند الله عذاب آخر من القتل والسبي، ونحو ذلك. قاله الزهري عن عُرْوَة والسُّدِّي؛ لأن الله قد كتب عليهم أنه سيعذبهم في الدار الدنيا مع ما أعد لهم في الآخرة من العذاب في نار جهنم. وقال عكرمة: الجلاء: القتل. وفي رواية عنه: الفناء. وقال قتادة: الجلاء: خروج الناس من البلد إلى البلد. وقال الضحاك: أجلاهم إلى الشام، وأعطى كل ثلاثة بعيرًا وسقاء، فهذا الجلاء. ﴿ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ ﴾ أي: حتم لازم لا بد لهم منه.