حجم الخط:

الآيات (1-6)

الآية (1-2): [سبب النزول]: عن عائشة قالت: الحمد لله الذي وَسِع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلةُ إلى النبي تكلمه وأنا في ناحية البيت، ما أسمع ما تقول، فأنزل الله عز وجل: ﴿ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا إلى آخر الآية [رواه البخاري]. وفي رواية: أنها قالت: تبارك الذي أوعى سمعه كل شيء، إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة، ويخفى عليَّ بعضه، وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله ، وهي تقول: يا رسول الله، أَكَلَ شبابي، ونَثَرَت له بطني، حتى إذا كَبُرَت سِنِّي، وانقطع ولدي، ظَاهَر مِنِّي، اللهم إني أشكو إليك. قالت: فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الآية: ﴿ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا [رواه ابن ماجه، وصححه الألباني].

وعن خولة بنت ثعلبة قالت: فيَّ - والله- وفي أوس بن الصامت أنزل الله صَدْرَ سورة «المجادلة». قالت: كنت عنده وكان شيخًا كبيرًا قد ساء خلقه، قالت: فدخل عليَّ يومًا فراجعته بشيء فغضب فقال: أنت عليَّ كظهر أمي... قالت: ثم خرجتُ حتى جئت رسول الله ، فجلست بين يديه، فذكرت له ما لقيتُ منه... فوالله ما برحت حتى نزل فيَّ القرآن، فتغشى رسول الله ما كان يتغشاه، ثم سُرِّيَ عنه، فقال لي: «يا خويلة، قد أنزل الله فيك وفي صاحبك». ثم قرأ عليَّ: ﴿ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ إلى قوله: ﴿ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ قالت: فقال لي رسول الله : «مُريه فليعتق رقبة». قالت: فقلت يا رسول الله، ما عنده ما يعتق. قال: «فليصم شهرين متتابعين». قالت: فقلت: والله إنه شيخ كبير، ما به من صيام. قال: «فليطعم ستين مسكينًا وسقًا من تَمر». قالت: فقلت: يا رسول الله، ما ذاك عنده. قالت: فقال رسول الله : «فإنا سنعينه بعَرَقٍ من تمر». قالت: فقلت: يا رسول الله، وأنا سأعينه بعَرَقٍ آخر، قال: «فقد أصبت وأحسَنْت، فاذهبي فتصدقي به عنه، ثم استوصي بابن عمك خيرًا». قالت: ففعلت. [رواه أحمد وأبو داود، وحسنه الألباني]. هذا هو الصحيح في سبب نزول صدر هذه السورة، فأما حديث سلمة بن صخر فليس فيه أنه كان سبب النزول، ولكن أُمِر بما أنزل الله في هذه السورة، من العتق أو الصيام، أو الإطعام.

قوله: ﴿ الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ أصل الظهار مشتق من الظهر، وذلك أن الجاهلية كانوا إذا تظاهر أحد من امرأته قال لها: أنت عليَّ كَظَهْرِ أمي، ثم في الشرع كان الظهار في سائر الأعضاء قياسًا على الظهر، وكان الظهار عند الجاهلية طلاقًا، فأرخص الله لهذه الأمة وجعل فيه كفارة، ولم يجعله طلاقًا كما كانوا يعتمدونه في جاهليتهم. هكذا قال غير واحد من السلف. قوله: ﴿ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ ۖ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ أي: لا تصير المرأة بقول الرجل: «أنت عليَّ كأمي» أو «مثل أمي» أو «كظهر أمي»، وما أشبه ذلك، لا تصير أمه بذلك، إنما أمه التي ولدته؛ ولهذا قال: ﴿ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا أي: كلامًا فاحشًا باطلًا، ﴿ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ أي: عما كان منكم في حال الجاهلية. وهكذا أيضًا عما خرج من سبق اللسان، ولم يقصد إليه المتكلم.

الآية (3): ﴿ وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا اختلف السلف والأئمة في المراد بقوله: ﴿ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فقال بعض الناس: العود هو أن يعود إلى لفظ الظهار فيكرره. وهذا القول باطل، وهو اختيار ابن حزم. وقال الشافعي: هو أن يمسكها بعد الظهار زمانًا يمكنه أن يطلق فيه فلا يطلق. وقال أحمد بن حنبل: هو أن يعود إلى الجماع أو يعزم عليه فلا يحل له حتى يكفر بهذه الكفارة. وقد حكى عن مالك: أنه العزم على الجماع والإمساك. وعنه أنه الجماع. وقال أبو حنيفة: هو أن يعود إلى الظهار بعد تحريمه ورفع ما كان عليه أمر الجاهلية، فمتى تظاهر الرجل من امرأته فقد حرمها تحريمًا لا يرفعه إلا الكفارة. عن سعيد بن جبير: يعني: يريدون أن يعودوا في الجماع الذي حرموه على أنفسهم. وقال الحسن البصري: يعني: الغشيان في الفرج. وكان لا يرى بأسًا أن يغشى فيما دون الفرج قبل أن يكفر. وقال ابن عباس: ﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا المس: النكاح. وكذا قال عطاء والزهري وقتادة. وقال الزهري: ليس له أن يقبلها ولا يمسها حتى يكفر. قوله: ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ أي: فإعتاق رقبة كاملة من قبل أن يتماسَّا، فههنا الرقبة مطلقة غير مقيدة بالإيمان، وفي كفارة القتل مقيدة بالإيمان، فحمل الشافعي ما أطلق ههنا على ما قيد هناك لاتحاد الموجب، وهو عتق الرقبة، واعتضد في ذلك بما رواه عن مالك بسنده عن معاوية بن الحكم السلمي، في قصة الجارية السوداء، وأن رسول الله قال: «أعتقها فإنها مؤمنة» [رواه مسلم]. وقوله: ﴿ ذَٰلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ أي: تُزجَرون به ﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ أي: خبير بما يصلحكم، عليم بأحوالكم.

الآية (4): ﴿ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ۖ فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا تقدمت الأحاديث[1] الآمرة بهذا على الترتيب، كما ثبت في الصحيحين في قصة الذي جامع امرأته في رمضان. ﴿ ذَٰلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ أي: شرعنا هذا لهذا. قوله: ﴿ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ أي: محارمه فلا تنتهكوها، ﴿ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ أي: الذين لم يؤمنوا ولا التزموا بأحكام هذه الشريعة، لا تعتقدوا أنهم ناجون من البلاء، كلا، ليس الأمر كما زعموا، بل لهم عذاب أليم، أي: في الدنيا والآخرة.

الآية (5): يخبر تعالى عمن شاقوا الله ورسوله وعاندوا شرعه ﴿ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي: أُهينوا ولعنوا وأُخزوا، كما فُعل بمن أشبههم ممن قبلهم، ﴿ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ أي: واضحات لا يخالفها ويعاندها إلا كافر فاجر مكابر.

﴿ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ أي: في مقابلة ما استكبروا عن اتباع شرع الله، والانقياد له، والخضوع لديه.

الآية (6): ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا وذلك يوم القيامة، يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد ﴿ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أي: يخبرهم بالذي صنعوا من خير وشر، ﴿ أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ أي: ضبطه الله وحفظه عليهم، وهم قد نسوا ما كانوا عليه، ﴿ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ أي: لا يغيب عنه شيء، ولا يخفى، ولا ينسى شيئًا.