حجم الخط:

الآيات (1-7)

الآية (1): يمجّد تعالى نفسه، ويعظم شأنه، لقدرته على ما لا يقدر عليه أحد سواه، فلا إله غيره ولا رب سواه ﴿ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ ﴾ يعني محمدًا ﷺ ﴿ لَيْلًا ﴾ أي في جنح الليل ﴿ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ وهو مسجد مكة ﴿ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ﴾ وهو بيت المقدس الذي هو بإيلياء، معدن الأنبياء من لدن إبراهيم الخليل؛ ولهذا جُمِعُوا له هنالك كُلّهم، فَأمّهم في مَحِلّتهم ودارهم، فدل على أنه هو الإمام الأعظم، والرئيس المقدَّم. قوله: ﴿ الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ﴾ أي: في الزروع والثمار ﴿ لِنُرِيَهُ ﴾ أي: محمدًا ﴿ مِنْ آيَاتِنَا ﴾ أي: العظام كما قال تعالى: ﴿ لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ ﴾ [النجم:18]. قوله: ﴿ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ أي: السميع لأقوال عباده، مؤمنِهم وكافرِهم، مُصدِّقهم ومكذبهم، البصير بهم، فيعطي كُلا منهم ما يستحقه في الدنيا والآخرة. عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «مررت ليلة أسري بي على موسى، عليه السلام، قائما يصلي في قبره» [رواه مسلم]. والحق أنه عليه السلام أسري به يقظة لا منامًا من مكة إلى بيت المقدس. ورأى الجنة والنار، وفرض الله عليه هنالك الصلوات خمسين، ثم خففها إلى خمس؛ رحمة منه ولطفًا بعباده. ثم اختلف الناس: هل كان الإسراء ببدنه عليه السلام وروحه أو بروحه فقط؟ فالأكثرون من العلماء على أنه أسري ببدنه وروحه يقظة لا منامًا؛ والدليل على هذا قوله: ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا ﴾, فالتسبيح إنما يكون عند الأمور العظام، فلو كان منامًا لم يكن فيه كبير شيء ولم يكن مستعظمًا، ولَـمَا بادرت كفار قريش إلى تكذيبه، ولَـمَا ارتد جماعة ممن كان قد أسلم. وأيضًا فإن العبد عبارة عن مجموع الروح والجسد، وقد قال: ﴿ أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا ﴾، وقد قال: ﴿ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ ﴾ [النجم:17]، والبصر من آلات الذات لا الروح. وأيضًا فإنه حُمِلَ على البُراق، وهو دابة بيضاء بَرَّاقة لها لمعان، وإنما يكون هذا للبدن لا للروح؛ لأنها لا تحتاج في حركتها إلى مركب تركب عليه. وقال آخرون: بل أسري برسول الله ﷺ بروحه لا بجسده. وقد تعقَّبه ابن جرير في تفسيره بالرد والإنكار والتشنيع بأن هذا خلاف ظاهر سياق القرآن.

الآية (2-3): لما ذكر تعالى أنه أسرى بعبده محمد ﷺ، عطف بذكر موسى عبده وكليمه أيضًا، فإنه تعالى كثيرًا ما يَقْرِنُ بين ذِكر موسى ومحمد -عليهما السلام- وبين ذكر التوراة والقرآن؛ ولهذا قال بعد ذكر الإسراء: ﴿ وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ ﴾ يعني التوراة ﴿ وَجَعَلْنَاهُ ﴾ أي الكتاب ﴿ هُدًى ﴾ أي: هاديًا ﴿ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا ﴾ أي: لئلا تتخذوا ﴿ مِنْ دُونِي وَكِيلًا ﴾ أي: وليًا ولا نصيرًا ولا معبودًا دوني؛ لأن الله تعالى أنزل على كل نبي أرسله أن يعبده وحده لا شريك له. قوله: ﴿ ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ﴾ تقديره: يا ذرية من حملنا مع نوح. فيه تهييج وتنبيه على المنة؛ أي: يا سلالة من نجينا فحملنا مع نوح في السفينة، تشبَّهوا بأبيكم ﴿ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا ﴾ فاذكروا أنتم نعمتي عليكم بإرسالي إليكم محمدًا ﷺ. عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «فيأتون نوحًا فيقولون: يا نوح، إنك أنت أولُ الرسل إلى أهل الأرض، وقد سمَّاك الله عبدًا شكورًا، فاشفع لنا إلى ربك» [متفق عليه].

الآية (4-6): يخبر تعالى أنه قضى إلى بني إسرائيل في الكتاب، أي: تقدَّم إليهم وأخبرَهم في الكتاب الذي أنزله عليهم أنهم سيفسدون في الأرض مرتين ويعلون علوًّا كبيرًا، أي: يتجبرون ويطغون ويَفْجُرون على الناس. قوله: ﴿ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا ﴾ أي: أولى الإفسادتين، ﴿ بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾ أي: سلَّطنا عليكم جندًا مِن خلقِنا أولي بأس شديد، أي: قوة وعِدَّة وسُلطة شديدة، ﴿ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ ﴾ أي: تملَّكوا بلادكم وسلكوا خِلال بيوتكم، أي: بينها ووسطها، وانصرفوا ذاهبين وَجَائِين لا يخافون أحدًا، ﴿ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا ﴾. وقد اختلف المفسـرون في هؤلاء المسلطين عليهم مَن هم؟ فعن ابن عباس: أنه جالوت الجَزَري وجنوده، سُلِّط عليهم أولًا, ثم أُدِيلوا عليه بعد ذلك. وقَتلَ داودُ جالوتَ؛ ولهذا قال: ﴿ ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ ﴾ الآية. وعن سعيد بن جبير: أنه بُخْتُنَصَّرُ مَلِكُ بابلَ. وقد أخبر الله عنهم أنهم لما بغوا وطغوا سلَّط الله عليهم عدوهم، فاستباح بَيْضَتَهم، وسلك خلال بيوتهم وأذلهم وقهرهم، جزاء وفاقًا، وما ربك بظلام للعبيد؛ فإنهم كانوا قد تمردوا وقتلوا خلقًا من الأنبياء والعلماء. عن سعيد بن المسيب: ظهر بُخْتُنَصَّرُ على الشام، فخرَّب بيت المقدس وقتلَهم، ثم أتى دمشقَ فقتل سبعين ألفًا من المسلمين وغيرهم. وهذا صحيح إلى سعيد، وهذا هو المشهور، وأنه قتل أشرافهم وعلماءهم، حتى إنه لم يبق من يحفظ التوراة، وأخذ معه منهم خلقًا كثيرًا أسرى من أبناء الأنبياء وغيرهم، وجَرَتْ أمورٌ وكوائنُ يطول ذكرها.

الآية (7): قوله: ﴿ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ﴾ أي: فعليها كما قال: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ﴾ [فصلت:46]. قوله: ﴿ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ ﴾ أي: الكرّة الآخرة، أي: إذا أفسدتم المرة الثانية وجاء أعداؤكم ﴿ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ ﴾ أي: يهينوكم ويقهروكم ﴿ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ ﴾ أي بيت المقدس ﴿ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ أي: في التي جاسوا فيها خلال الديار ﴿ وَلِيُتَبِّرُوا ﴾ أي: يُدَمِّروا ويُخرِّبوا ﴿ مَا عَلَوْا ﴾ أي: ما ظهروا عليه ﴿ تَتْبِيرًا ﴾.