حجم الخط:

الآيات (1-7)

الآية (1-2): يخبر تعالى عن نفسه الكريمة: أن له الحمد المطلق في الدنيا والآخرة؛ لأنه المنعم المتفضل على أهل الدنيا والآخرة، المالك لجميع ذلك، الحاكم في جميع ذلك؛ كما قال تعالى: ﴿ وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَىٰ وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص:70]؛ ولهذا قال تعالى ههنا: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أي: الجميع ملكه وعبيده وتحت قهره وتصرفه؛ كما قال: ﴿ وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَىٰ [الليل:13].

ثم قال عز وجل: ﴿ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ فهو المعبود أبدًا، المحمود على طول المدى.

﴿ وَهُوَ الْحَكِيمُ أي: في أقواله وأفعاله وشرعه وقَدَره ﴿ الْخَبِيرُ الذي لا تخفى عليه خافية، ولا يغيب عنه شيء. قال الزهري: خبير بخلقه، حكيم بأمره؛ ولهذا قال: ﴿ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا أي: يعلم عدد القطر النازل في أجزاء الأرض، والحب المبذور والكامن فيها، ويعلم ما يخرج من ذلك: عدده وكيفيته وصفاته.

﴿ وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ أي: من قطر ورزق ﴿ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا أي: من الأعمال الصالحة وغير ذلك ﴿ وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ أي: الرحيم بعباده فلا يعاجل عُصاتهم بالعقوبة، الغفور عن ذنوب التائبين إليه المتوكلين عليه.

الآية (3): هذه إحدى الآيات الثلاث التي لا رابع لهن، مما أمر الله رسولَه أن يقسم بربه العظيم على وقوع المعاد لَمَّا أنكره من أنكره من أهل الكفر والعناد؛ فإحداهن في سورة يونس عليه السلام، وهي قوله تعالى: ﴿ وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ [يونس:53]، والثانية هذه: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ ، والثالثة في التغابن، وهي قوله تعالى: ﴿ زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [التغابن:7]. فقال تعالى: ﴿ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ ، ثم وصفه بما يؤكد ذلك ويقرره فقال: ﴿ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ . قال مجاهد وقتادة: ﴿ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ : لا يغيب عنه، أي: الجميع مندرج تحت علمه، فلا يخفى عليه منه شيء، فالعظام وإن تلاشت وتفرقت وتمزقت، فهو عالم أين ذهبت وأين تفرقت، ثم يعيدها كما بدأها أول مرة؛ فإنه بكل شيء عليم.

الآية (4-5): ثم بيّن حكمته في إعادة الأبدان وقيام الساعة بقوله: ﴿ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴿٤ وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أي: سعوا في الصد عن سبيل الله وتكذيب رسله، ﴿ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ أي: لينعم السعداء من المؤمنين، ويعذب الأشقياء من الكافرين؛ كما قال: ﴿ لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ [الحشر:20]. وقال تعالى: ﴿ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ [ص:28].

الآية (6): قوله تعالى: ﴿ وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ هذه حكمة أخرى معطوفة على التي قبلها، وهي أن المؤمنين بما أنزل على الرسل إذا شاهدوا قيام الساعة ومجازاة الأبرار والفجار بالذي كانوا قد علموه من كتب الله في الدنيا، رأوه حينئذٍ عين اليقين، ويقولون يومئذٍ أيضًا: ﴿ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ [الأعراف:43]، ويقال أيضًا: ﴿ هَٰذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ [يس:52]، ﴿ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَىٰ يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَٰذَا يَوْمُ الْبَعْثِ [الروم:56].

﴿ وَيَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ العزيز: هو المنيع الجناب الذي لا يُغالب ولا يُمَانع، بل قد قهر كل شيء، ﴿ الْحَمِيدِ في جميع أقواله وأفعاله وشرعه وقدره، وهو المحمود في ذلك كله.

الآية (7): هذا إخبار من الله عن استبعاد الكفرة الملحدين قيامَ الساعة، واستهزائهم بالرسول في إخباره بذلك: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ أي: تفرقت أجسادكم في الأرض وذهبت فيها كل مذهب وتمزقت كل ممزق.

﴿ إِنَّكُمْ أي: بعد هذا الحال ﴿ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أي: تعودون أحياء ترزقون بعد ذلك.