الآية (100): يخبر تعالى عن رضاه عن السابقين من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، ورضاهم عنه بما أعد لهم من جنات النعيم، والنعيم المقيم. قال الشعبي: ﴿ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ﴾ من أَدرَك بيعة الرضوان عام الحديبية. وقال أبو موسى الأشعري والحسن وقتادة: هم الذين صلّوا إلى القبلتين مع رسول الله ﷺ. ﴿ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ﴾ أخبر الله العظيم أنه قد رضي عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، فيا ويل من أبغضَهم أو سَبَّهم أو أبغضَ أو سبَّ بعضهم، ولا سيما سيد الصحابة بعد الرسول وخيرهم وأفضلهم؛ أعني الصدِّيق الأكبر والخليفة الأعظم أبا بكر بن أبي قحافة رضي الله عنه؛ فإن الطائفة المخذولة من الرافضة يُعادون أفضل الصحابة ويُبغضونهم ويَسُبُّونهم، عياذًا بالله من ذلك. وهذا يدلُّ على أن عقولهم معكوسة، وقلوبهم منكوسة، فأين هؤلاء من الإيمان بالقرآن؛ إذ يسبُّون من رضي الله عنهم؟! وأما أهل السنة فإنهم يترضّون عمَّن رضي الله عنهم، ويسبُّون من سبَّه الله ورسوله، ويوالون من يوالي الله، ويعادون من يعادي الله، وهم مُتَّبِعُون لا مُبتَدِعون، ويَقتَدُون ولا يَبْتَدون، ولهذا هُم حزب الله المفلحون وعباده المؤمنون.
الآية (101): يُخبِر تعالى رسوله ﷺ أن في أحياء العرب ممَّن حول المدينة منافقين وفي أهل المدينة أيضًا منافقون، ﴿ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ ﴾ أي: مَرَنُوا واستَمَرُّوا عليه، ومنه يقال: شيطان مَرِيد ومارد، ويقال: تمرَّد فلان على الله؛ أي: عَتَا وَتَجَبَّرَ. ﴿ لَا تَعْلَمُهُمْ ۖ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ﴾ لا ينافي قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ﴾ [محمد:30]؛ لأن هذا من باب التَّوَسُّمِ فيهم بصفات يُعرفون بها، لا أنه يعرف جميع من عنده من أهل النفاق والرَّيب على التعيين. وقد كان يعلم أن في بعض من يُخالطه من أهل المدينة نفاقًا، وإن كان يراه صباحًا ومساءً. وقال مجاهد في قوله: ﴿ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ﴾ يعني: القتل والسِّبَاء، وقال -في رواية-: بالجوع وعذاب القبر، ﴿ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ ﴾. وقال ابن جُرَيج: عذابُ الدنيا، وعذاب القبر، ثم يُرَدُّون إلى عذاب النار.
الآية (102): لَـمَّا بَيَّن تعالى حالَ المنافقين الـمُتَخَلِّفِين عن الغَزَاة رغبةً عنها وتكذيبًا وشكًّا، شَرَع في بيان حال المذنبين الذين تأخَّروا عن الجهاد كسلًا وميلًا إلى الراحة، مع إيمانهم وتصديقهم بالحقِّ، فقال: ﴿ وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ ﴾ أي: أقرُّوا بها واعترفوا فيما بينهم وبين رَبِّهم، ولهم أعمال أُخَر صالحة، خلطوا هذه بتلك، فهؤلاء تحت عفو الله وغفرانه. وهذه الآية -وإن كانت نزلت في أناس معينين- إلا أنها عامة في كل المذنبين الخاطئين المخلطين المتلوِّثين.
[سبب النزول]: قال ابن عباس: نزلت في أبي لبابة وجماعة من أصحابه؛ تخلفوا عن غزوة تبوك، فقال بعضهم: أبو لبابة وخمسة معه، وقيل: وسبعة معه، وقيل: وتسعة معه، فلما رجع النبي ﷺ من غزوته ربطوا أنفسهم بسواري المسجد، وحلفوا لا يحلهم إلا رسول الله ﷺ، فلما أنزل الله هذه الآية: ﴿ وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ ﴾ أطلقهم النبي ﷺ وعفا عنهم؛ عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله ﷺ لنا: «أتاني الليلة آتيان، فابتعثاني فانتهينا إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة، فتلقانا رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء، وشطر كأقبح ما أنت راء، قالا لهم: اذهبوا فقعوا في ذلك النهر. فوقعوا فيه، ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم، فصاروا في أحسن صورة، قالا لي: هذه جنة عدن، وهذا منزلك. قالا أما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح، فإنهم خلطوا عملاً صالحًا وآخر سيئًا، فتجاوز الله عنهم» [رواه البخاري].
الآية (103-104): أَمَرَ الله تعالى رسوله ﷺ بأن يأخُذَ ﴿ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً ﴾ يطهِّرهم ويزكيهم بها، وهذا عامٌّ، وإن أعاد بعضهم الضمير في ﴿ أَمْوَالِهِمْ ﴾ إلى الذين اعترفوا بذنوبهم وخلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا؛ ولهذا اعتقد بعض مانعي الزكاة من أحياء العرب أن دفع الزكاة إلى الإمام لا يكون، وإنما كان هذا خاصًّا بالرسول ﷺ؛ ولهذا احتجُّوا بقوله تعالى: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً ﴾ الآية، وقد رَدَّ عليهم هذا التأويل والفهم الفاسد الصِدِّيق أبو بكر وسائر الصحابة، وقاتَلوهم حتى أدَّوا الزكاة إلى الخليفة كما كانوا يُؤدُّونها إلى رسول الله ﷺ، حتى قال الصِدِّيق: والله لو منعوني عِقالًا -وفي رواية: عَناقًا- كانوا يُؤدُّونه إلى رسول الله ﷺ لأقاتلنّهم على مَنْعِه [متفق عليه].
وقوله: ﴿ وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ﴾ أي: ادعُ لهم واستغفر لهم، عن عبد الله ابن أبي أَوْفَى قال: كان رسول الله ﷺ إذا أُتِيَ بصدقة قوم صَلَّى عليهم، فأتاه أبي بصدقته فقال: «اللهم صَلِّ على آل أبي أَوْفَى» [متفق عليه].
وقوله: ﴿ سَكَنٌ لَهُمْ ﴾ قال ابن عباس: رحمةٌ لهم. وقال قتادة: وقار. وقوله: ﴿ وَاللَّهُ سَمِيعٌ ﴾ أي: لدعائك، ﴿ عَلِيمٌ ﴾ أي: بمن يستحق ذلك منك ومن هو أهلٌ له. وقوله: ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ ﴾ هذا تهييج إلى التوبة والصدقة اللَّتين كلٌّ منها يَحُطُّ الذنوب ويُمَحِّصُهَا ويمحقها؛ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله يَقبَل الصدقة ويأخذها بيمينه فيُرَبِّيهَا لأحدكم كما يُربِّي أحدكم مُهْرَهُ، حتى إن اللقمة لتَصير مثل أُحُد» [رواه الترمذي، وصححه الألباني].
الآية (105): قال مجاهد: هذا وَعيد من الله تعالى للمخالفين أوامِرَه بأن أعمالهم ستُعرَضُ عليه تبارك وتعالى، وعلى الرسول ﷺ، وعلى المؤمنين. وهذا كائنٌ لا محالة يوم القيامة؛ كما قال: ﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنْكُمْ خَافِيَةٌ ﴾ [الحاقة:18]. وقال البخاري: قالت عائشة: إذا أعجبك حُسن عمل امرئ، فقل: ﴿ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ﴾.
الآية (106): قال ابن عباس وغير واحد: هم الثلاثة الذين خُلِّفُوا؛ أي: عن التوبة، وهم: مرارة بن الربيع، وكعب بن مالك، وهلال بن أمية؛ قعدوا عن غزوة تبوك في جُملة من قَعَد كسلًا وميلًا إلى الدَّعَة والحفظ وطيب الثمار والظِّلال، لا شكًّا ونفاقًا، فكانت منهم طائفة رَبَطوا أنفسهم بالسواري -كما فعل أبو لُبابة وأصحابه- وطائفة لم يفعلوا ذلك؛ وهم هؤلاء الثلاثة المذكورون، فنَزَلَت توبة أولئك قبل هؤلاء، وأُرجئ هؤلاء عن التوبة حتى نَزَلت الآية الآتية؛ وهي قوله: ﴿ لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ﴾ الآية [التوبة:117]، ﴿ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ﴾ الآية [التوبة:118]. وقوله: ﴿ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ﴾ أي: هم تحت عفو الله، إن شاء فَعَل بهم هذا، وإن شاء فَعَل بهم ذاك، ولكن رحمته تغلب غضبه، ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ ﴾ بمن يستحق العقوبة ممن يستحق العفو، ﴿ حَكِيمٌ ﴾ في أفعاله وأقواله، لا إله إلا هو، ولا رب سواه.