حجم الخط:

الآيات (103-110)

الآية (103): يقول تعالى مخبرًا عن المشركين ما كانوا يقولونه من الكذب والافتراء والْبَهْت: إن محمدًا ﴿ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ هذا الذي يتلوه علينا من القرآن ﴿ بَشَرٌ ، ويشيرون إلى رجل أعجمي كان بين أظهرهم، غلام لبعض بطون قريش، وكان بياعًا يبيع عند الصفا، فربَّما كان رسول الله يجلس إليه ويُكلِّمه بعض الشيء، وذاك كان أعجمي اللسان لا يعرف العربية، أو أنه كان يعرف الشيء اليسير بقدر ما يَرُد جواب الخِطَاب فيما لابدَّ منه؛ فلهذا قال الله تعالى رادًّا عليهم في افترائهم ذلك: ﴿ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ يعني: القرآن، أي: فكيف يَتَعَلَّم من جاء بهذا القرآن، في فَصَاحته وبلاغته ومعانيه التامة الشاملة، كيف يَتَعَلَّم من رجل أعجمي؟! لا يقول هذا من له أدنى مُسْكَةٍ من العقل.

الآية (104-105): يُخبر تعالى أنه لا يهدي من أعرض عن ذكره وتَغَافل عمَّا أنزَله على رسوله، ولم يكن له قَصْد إلى الإيمان بما جاء من عند الله، فهذا الجنس من الناس لا يهديهم الله إلى الإيمان بآياته وما أرسلَ به رسله في الدنيا، ولهم عذاب أليم مُوجِع في الآخرة. ثم أخبر تعالى أن رسوله ليس بِمُفْتَرٍ ولا كَذَّاب؛ لأنه ﴿ إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ على الله وعلى رسوله شِرارُ الخلق، ﴿ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ من الكفرة والملحدين المعروفين بالكذب عند الناس. والرسول محمد ، كان أَصدَق الناس وأبَرَّهم وأكملهم علمًا وعملًا وإيمانًا وإيقانًا، معروفًا بالصدق في قومه، لا يشكُّ في ذلك أحد منهم بحيث لا يُدْعَى بينهم إلا بالأمين محمد.

الآية (106-109): أخبر تعالى عمَّن كَفَر به بعد الإيمان والتبصُّر، وشرح صدره بالكفر واطمأن به: أنه قد غَضِب عليه؛ لعلمهم بالإيمان ثم عدولهم عنه، وأن لهم عذابًا عظيمًا في الدار الآخرة؛ لأنهم استحبُّوا الحياة الدنيا على الآخرة، فأقدموا على ما أقدموا عليه من الرِّدَّة لأجل الدنيا، ولم يَهْدِ الله قلوبهم ويثبِّتهم على الدين الحق، فطَبَع على قلوبهم فلا يعقلون بها شيئًا ينفعهم وخَتَم على سمعهم وأبصارهم فلا ينتفعون بها، ولا أغنَتْ عنهم شيئًا، فهم غافلون عمَّا يُراد بهم.

﴿ لَا جَرَمَ أي: لا بدَّ ولا عجبَ أنّ مَن هذه صفته ﴿ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ أي: الذين خسـروا أنفسهم وأهاليهم يوم القيامة.

وأما قوله: ﴿ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ فهو استثناء ممن كفر بلسانه ووافق المشركين بلفظه مكرهًا لِـمَا ناله من ضرب وأذًى، وقلبه يأبى ما يقول، وهو مطمئن بالإيمان بالله ورسوله. [سبب النزول]: عن ابن عباس: أن هذه الآية نزلت في عمَّار ابن ياسر، حين عذَّبه المشركون حتى يكفر بمحمد ، فوَافَقهم على ذلك مُكرَهًا، وجاء معتذرًا إلى النبي ، فأَنزَل الله هذه الآية؛ ولهذا اتّفق العلماء على أنه يجوز أن يُوَالي الـمُكرَه على الكفر، إبقاءً لِـمُهْجَتِه، ويجوز له أن يَسْتَقْتِل، كما كان بلال رضي الله عنه يأبى عليهم ذلك، وهم يفعلون به الأفاعيل، حتى إنهم ليضعون الصخرة العظيمة على صدره في شدَّة الحر، ويأمرونه أن يشرك بالله فيأبى عليهم، وهو يقول: أحَدٌ، أحَدٌ. ويقول: والله لو أعلم كلمة هي أَغْيَظُ لكم منها لقلتها رضي الله عنه وأرضاه. والأفضل والأولى أن يَثبُتَ المسلم على دينه، ولو أَفضَى إلى قتله، كما [روى] الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الله ابن حُذَافة السهمي أحد الصحابة: أنه أسَرَتْهُ الروم، فجاؤوا به إلى ملكهم، فقال له: تَنَصَّرْ وأنا أُشْرِكُكَ في ملكي وأزوجك ابنتي. فقال له: لو أعطيتني جميع ما تَـملِك وجميع ما تملكه العرب، على أن أَرجِع عن دين محمد طَرفَة عين، ما فعلتُ! فقال: إذًا أَقتلُك. قال: أنت وذاك! فأَمَرَ به فصُلِب، وأَمَر الرماة فرَمَوه قريبًا من يديه ورجليه، وهو يَعرِض عليه دين النصرانية فيَأبى، ثم أَمَرَ به فأُنزِل، ثم أَمَر بِقِدْر -وفي رواية: ببقرة من نحاس- فَأُحْمِيَتْ، وجاء بأسير من المسلمين فألقاه وهو ينظر، فإذا هو عِظام تَلُوحُ. وعَرَضَ عليه فأبى، فأُمِر به أن يُلقَى فيها، فرُفِع في البَكَرَة ليُلقَى فيها، فبَكى فطَمِع فيه ودعاه، فقال له: إني إنما بكيت لأن نفسي إنما هي نفس واحدة، تُلْقَى في هذه القِدْر الساعةَ في الله، فأحببتُ أن يكون لي بعدد كل شعرة في جسدي نفسٌ تُعذَّب هذا العذاب في الله. وفي بعض الروايات: أنه سجنه ومنع عنه الطعام والشراب أيامًا، ثم أرسل إليه بخمر ولحم خنزير، فلم يَقرَبْه، ثم استدعاه فقال: ما مَنَعك أن تأكل؟ فقال: أما إنه قد حَلَّ لي، ولكن لم أكن لِأُشَمِّتَكَ فِيّ. فقال له الملك: فَقَبِّلْ رأسي وأنا أُطْلِقُكَ. فقال: وتُطلِق معي جميع أَسَارَى المسلمين؟ قال: نعم. فقَبَّل رأسه، فأَطْلَقه وأَطْلَق معه جميع أَسَارَى المسلمين عنده، فلمَّا رَجَع قال عمر بن الخطاب: حَقٌّ على كل مسلم أن يُقَبِّل رأس عبد الله بن حذافة، وأنا أَبْدَأُ. فقام فقَبَّل رأسه.

الآية (110): ﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا هؤلاء صنف آخر كانوا مستضعفين بمكة، مُهانين في قومهم قد واتَوْهُم[1] على الفتنة، ثم إنهم أمكنهم الخلاص بالهجرة، فتَرَكُوا بلادهم وأهليهم وأموالهم ابتغاء رضوان الله وغفرانَه، وانْتَظَمُوا في سِلْك المؤمنين، وجاهدوا معهم الكافرين، وصَبَروا، فأخبرَ الله تعالى أنه ﴿ مِنْ بَعْدِهَا أي: تلك الْفِعْلَةِ، وهي الإجابة إلى الفتنة ﴿ لَغَفُورٌ لهم، ﴿ رَحِيمٌ بهم يوم معادهم.