الآية (104): ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ﴾ أي: إذا دُعوا إلى دين الله وشرعه وما أوجبه وتَرْك ما حرّمه، قالوا: يكفينا ما وجدنا عليه الآباءَ والأجداد من الطرائق والمسالك. ﴿ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا ﴾ أي: لا يفهمون حقًا ولا يعرفونه، ولا يهتدون إليه، فكيف يتبعونهم والحالة هذه؟! لا يتبعهم إلا من هو أجهل منهم، وأضل سبيلًا.
الآية (105): يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين أن يصلحوا أنفسهم ويفعلوا الخير بجهدهم وطاقتهم، ومخبرًا لهم أنه من أصلح أمره لا يضره فساد من فسد من الناس، سواء كان قريبًا منه أو بعيدًا. قال ابن عباس عند تفسير هذه الآية: يقول تعالى: إذا ما العبد أطاعني فيما أمرته به من الحلال ونهيته عنه من الحرام، فلا يضره من ضل بعده، إذا عمل بما أمرته به. وهكذا قال مُقَاتِل. فقوله: ﴿ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ نصبٌ على الإغراء ﴿ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ أي: فيجازي كل عامل بعمله: إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشَرّ. وليس فيها دليل على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا كان فعل ذلك ممكنًا، وقال سعيد بن المسيب: إذا أمرتَ بالمعروف ونهيتَ عن المنكر، فلا يضرُّك من ضل إذا اهتديت. وكذا قال غير واحد من السلف. وقام أبو بكر رضي الله عنه فحمد الله وأثنى عليه، وقال: أيها الناس، إنكم تقرأون هذه الآية: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ﴾ إلى آخر الآية، وإنكم تضعونها على غير موضعها، وإني سمعت رسول الله ﷺ قال: «إن الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيرونه أوشك الله، عز وجل، أن يعمهم بعقابه» [رواه أحمد، وصححه أحمد شاكر].
الآية (106): اشتملت هذه الآية الكريمة على حكمٍ عزيز، قيل: إنه منسوخ، رواه العَوْفي عن ابن عباس، وحماد بن أبي سليمان عن إبراهيم. وقال آخرون - وهم الأكثرون، فيما قاله ابن جرير-: بل هو محكم، ومن ادَّعى النسخ فعليه البيان. قوله: ﴿ ذَوَا عَدْلٍ ﴾ وصف الاثنين بأن يكونا عدلين. ﴿ مِنْكُمْ ﴾ أي: من المسلمين. قاله الجمهور. عن ابن عباس في قوله: ﴿ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ﴾ قال: من غير المسلمين، يعني: أهل الكتاب. ﴿ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾ أي: سافرتم ﴿ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ ﴾ وهذان شرطان لجواز استشهاد الذمّيين عند فقد المؤمنين: أن يكون ذلك في سفر، وأن يكون في وصية، كما صرح بذلك شريح القاضي. وروي نحوه عن أحمد بن حنبل، وهذه المسألة من أفراده، وخالفه الثلاثة فقالوا: لا تجوز شهادة أهل الذمة على المسلمين. وأجازها أبو حنيفة فيما بين بعضهم بعضًا. وروى ابن جرير عن الزهري قال: مضت السنّة ألا تجوز شهادة الكافر في حضر ولا سفر، إنما هي في المسلمين. وقال ابن جرير: اختُلف في قوله: ﴿ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ﴾ هل المراد أن يوصي إليهما أو يشهدهما؟ على قولين: أحدهما: أن يوصي إليهما، والقول الثاني: أنهما يكونان شاهدين. وهو ظاهر سياق الآية الكريمة، فإن لم يكن وصيٌّ ثالثٌ معهما اجتمع فيهما الوصفان: الوصاية والشهادة.
وقوله تعالى: ﴿ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ ﴾ قال ابن عباس: يعني صلاة العصر. وقال الزهري: يعني صلاة المسلمين. والمقصود: أن يقام هذان الشاهدان بعد صلاة اجتمع الناس فيها بحضرتهم، ﴿ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ ﴾ أي: إن ظهرت لكم منهما ريبة أنهما قد خانا أو غَلَّا، فيحلفان حينئذ بالله ﴿ لَا نَشْتَرِي بِهِ ﴾ أي: بأيماننا؛ قاله مُقاتِل بن حَيَّان. ﴿ ثَمَنًا ﴾ أي: لا نعتاض عنه بعوض قليل من الدنيا الفانية الزائلة ﴿ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ﴾ أي: ولو كان المشهود عليه قريبًا إلينا لا نُحابيه ﴿ وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ ﴾ أضافها إلى الله تشريفًا لها، وتعظيمًا لأمرها. ﴿ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ ﴾ أي: إن فعلنا شيئًا من ذلك، من تحريف الشهادة، أو تبديلها، أو تغييرها، أو كَتْمِها بالكلِّية.
الآية (107): أي: فإن اشتهر وظهر وتحقق من الشاهدين الوصيّين، أنهما خانا أو غَلّا شيئًا من المال الموصَى به إليهما، وظهر عليهما بذلك ﴿ فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ ﴾ أي: متى تحقق ذلك بالخبر الصحيح على خيانتهما، فليقم اثنان من الورثة المستحقين للتركة، وليكونا من أوْلى من يرث ذلك المال ﴿ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا ﴾ أي: لقولنا: إنهما خانا أحقُّ وأصح وأثبت من شهادتهما المتقدمة ﴿ وَمَا اعْتَدَيْنَا ﴾ أي: فيما قلنا من الخيانة ﴿ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ أي: إن كنا قد كذبنا عليهما. وقال ابن عباس في تفسير هذه الآية: فإن ارْتِيب في شهادتهما استُحلفا بعد الصلاة بالله: ما اشترينا بشهادتنا ثمنًا قليلًا. فإن اطلع الأولياء على أن الكافرين كذبا في شهادتهما، قام رجلان من الأولياء فحلفا بالله: إن شهادة الكافرين باطلة، وإنا لم نعتدِ، فذلك قوله: ﴿ فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰ أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا ﴾ يقول: إن اطُّلِع على أن الكافرين كذبا ﴿ فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا ﴾ يقول: من الأولياء، فحلفا بالله: إن شهادة الكافرين باطلة، وإنا لم نعتدِ، فَتُرَدُّ شهادة الكافرَيْن، وتجوز شهادة الأولياء. وهكذا قَرَّر هذا الحكم على مقتضى هذه الآية غيرُ واحد من أئمة التابعين والسلف، وهو مذهب الإمام أحمد.
الآية (108): ﴿ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَا ﴾ أي: شرعية هذا الحكم على هذا الوجه المرضي من تحليف الشاهدين الذميين أقرب إلى إقامتهما الشهادة على الوجه المرضي. ﴿ أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ ﴾ أي: يكون الحامل لهم على الإتيان بها على وجهها، وهو تعظيم الحلف بالله ومراعاة جانبه وإجلاله، والخوف من الفضيحة بين الناس إذا رُدَّت اليمين على الورثة، فيحلفون ويستحقون ما يدَّعون، ولهذا قال: ﴿ أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ ﴾، ثم قال: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ أي: في جميع أموركم ﴿ وَاسْمَعُوا ﴾ أي: وأطيعوا ﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ يعني: الخارجين عن طاعته ومتابعة شريعته.