الآية (112): هذا نعتُ المؤمنين الذين اشترى الله منهم أنفسهم وأموالهم بهذه الصفات الجميلة والخِلال الجليلة: ﴿ التَّائِبُونَ ﴾ من الذنوب كلها، التاركون للفواحش، ﴿ الْعَابِدُونَ ﴾ أي: القائمون بعبادة ربهم محافظين عليها، وهي الأقوال والأفعال، فمِن أخَصّ الأقوال: الحمد؛ فلهذا قال: ﴿ الْحَامِدُونَ ﴾، ومن أفضل الأعمال: الصيامُ، وهو ترك الملاذِّ من الطعام والشراب والجماع، وهو المراد بالسياحة ههنا؛ ولهذا قال: ﴿ السَّائِحُونَ ﴾، كما وصف أزواج النبي ﷺ بذلك في قوله تعالى: ﴿ سَائِحَاتٍ ﴾ [التحريم:5] أي: صائمات، وكذا الركوع والسجود، وهما عبارة عن الصلاة؛ ولهذا قال: ﴿ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ ﴾ وهم مع ذلك ينفعون خلق الله، ويرشدونهم إلى طاعة الله بأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، مع العلم بما ينبغي فعله ويجب تركُه، وهو حفظ حدود الله في تحليله وتحريمه، علمًا وعملًا، فقاموا بعبادة الحقِّ ونصح الخلق؛ ولهذا قال: ﴿ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ لأن الإيمان يشمل هذا كله، والسعادة كل السعادة لمن اتَّصف به. قال ابن مسعود: ﴿ السَّائِحُونَ ﴾: الصائمون. وكذا رُوي عن ابن عباس. وهكذا قال مجاهد، وسعيد بن جبير، وعطاء، وغيرهم: أن المراد بالسائحين: الصائمون. وهذه أصح الأقوال وأشهرها، وجاء ما يدلُّ على أن السياحة: الجهاد؛ وهو ما روي من حديث أبي أمامة أن رجلًا قال: يا رسول الله، ائذن لي في السياحة. فقال النبي ﷺ: «سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله» [رواه أبو داود، وحسنه الألباني].
وليس المراد من السياحة ما قد يفهمه بعض من يتعبَّد بمجرد السياحة في الأرض، والتفرُّد في شواهق الجبال والكهوف والبراري؛ فإن هذا ليس بمشروع إلا في أيام الفتن والزلازل في الدين كما ثبت عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: «يوشك أن يكون خير مال الرجل غَنَم يَتْبَع بها شَعَفَ الجبال ومواقع القَطْر، يَفِرُّ بدينه من الفتن» [رواه البخاري]. وقال ابن عباس في قوله: ﴿ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ﴾ قال: القائمون بطاعة الله. وكذا قال الحسن البصري، وعنه رواية: ﴿ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ﴾ قال: لفرائض الله، وفي رواية: القائمون على أمر الله.
الآية (113-114): [سبب النزول]: عن ابن المسيب عن أبيه قال: لَـمَّا حَضَرت أبا طالب الوفاة، دَخَل عليه النبي ﷺ وعنده أبو جهل، وعبد الله بن أبي أمية، فقال: «أيْ عَم، قل: لا إله إلا الله. كَلِمَةٌ أُحَاجُّ لك بها عند الله عز وجل ». فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملَّة عبد المطلب؟! فقال: أنا على ملة عبد المطلب. فقال النبي ﷺ: «لأستغفرن لك ما لم أُنْهَ عنك». فنزلت: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ﴾، قال: ونزلت فيه: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ﴾ [القصص:56] [متفق عليه]. وقال ابن عباس: كانوا يستغفرُون لهم، حتى نَزَلَت هذه الآية، فلمَّا نَزَلَت أمسكوا عن الاستغفار لأمواتهم، ولم ينههم أن يستغفروا للأحياء حتى يموتوا، ثم أنزل الله: ﴿ وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ ﴾ الآية. وقوله: ﴿ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ﴾ قال ابن عباس: ما زال إبراهيم يستغفر لأبيه حتى مات، فلمَّا تبيَّن له أنه عدو لله تبرأ منه. وفي رواية: لَـمَّا مات تَبَيَّن له أنه عدو لله. وكذا قال مجاهد والضحاك وقتادة وغيرهم.
وقوله: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ﴾ قال ابن مسعود: الأوَّاه: الدَّعَّاء. وقال قتادة: إنه الرحيم، أي: بعباد الله. وقال ابن عباس: المؤمن التوَّاب. وعن مجاهد: الأوَّاه: الحفيظ الوَجِل، يُذنِب الذَّنب سرًّا، ثم يتوب منه سرًّا. قال ابن جرير: وأولى الأقوال قول من قال: إنَّه الدَّعَّاء، وهو المناسب للسياق؛ وذلك أن الله تعالى لَـمَّا ذَكَر أن إبراهيم إنما استغفر لأبيه عن موعدة وعدها إياه، وقد كان إبراهيم كثير الدعاء حليمًا عمن ظَلَمه وأَنَاله مكروهًا؛ ولهذا استغفر لأبيه مع شدة أذاه في قوله: ﴿ قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا ﴾ [مريم:47]، فَحَلُمَ عنه مع أذاه له، ودعا له واستغفر؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ﴾.
الآية (115-116): يقول تعالى مُخبِرًا عن نفسه الكريمة وحُكمه العادل: أنه لا يُضِلُّ قومًا بعد إبلاغ الرسالة إليهم، حتى يكونوا قد قامت عليهم الحجة؛ كما قال تعالى: ﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ ﴾ الآية [فصلت:17]. قال ابن جرير: يقول الله تعالى: وما كان الله ليقضي عليكم في استغفاركم لموتاكم المشركين بالضلال بعد إذ رزقكم الهداية ووفقكم للإيمان به وبرسوله، حتى يتقدَّم إليكم بالنهي عنه فتتركوا، فأما قبل أن يبيِّن لكم كراهيته ذلك بالنهي عنه، ثم تتعدّوا نهيه إلى ما نهاكم عنه: فإنه لا يحكم عليكم بالضلال؛ فإن الطاعة والمعصية إنما يكونان من المأمور والمنهي، وأما من لم يُؤمَر ولم يُنْهَ فغير كائن مطيعًا أو عاصيًا فيما لم يُؤمر به ولم يُنْهَ عنه. وقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۚ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ﴾: قال ابن جرير: هذا تحريض من الله لعباده المؤمنين في قتال المشركين وملوك الكفر، وأن يثقوا بنصر الله مالك السموات والأرض، ولم يرهبوا من أعدائه؛ فإنه لا ولي لهم من دون الله، ولا نصير لهم سواه.
الآية (117): [سبب النزول]: قال مجاهد وغير واحد: نزلت هذه الآية في غزوة تبوك؛ وذلك أنهم خرجوا إليها في شدة من الأمر في سنة مُجدِبة وحَرٍّ شديد، وعُسْر من الزاد والماء. وقال ابن جرير في قوله: ﴿ لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ ﴾ أي: من النفقة والظَّهْر والزاد والماء، ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ﴾ أي: عن الحق، ويشك في دين رسول الله ﷺ، ويرتاب بالذي نالهم من المشقة والشدة في سفره وغزوه، ﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ﴾ يقول: ثم رزقهم الإنابة إلى ربهم، والرجوع إلى الثبات على دينه ﴿ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾.