حجم الخط:

الآيات (135-140)

الآية (135): يأمر تعالى عباده المؤمنين أن يكونوا ﴿ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ أي: بالعدل؛ فلا يعدلوا عنه يمينًا ولا شمالًا، ولا تأخذهم في الله لومة لائم، ولا يصرفهم عنه صارف، وأن يكونوا متعاونين متساعدين متعاضدين متناصرين فيه. وقوله: ﴿ شُهَدَاءَ لِلَّهِ كما قال: ﴿ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ [الطلاق:2]، أي: ليكن أداؤها ابتغاء وجه الله، فحينئذ تكون صحيحة عادلة حقًا، خالية عن التحريف والتبديل والكتمان؛ ولهذا قال: ﴿ وَلَوْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ أي: اشهد الحق، ولو عاد ضررها عليك. ﴿ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ أي: وإن كانت الشهادة على والديك أو قرائبك، فلا تُراعِهم فيها، بل اشهد بالحق وإن عاد ضررها عليهم؛ فإن الحق حاكم على كل أحد. ﴿ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا أي: لا ترعاه لغناه، ولا تشفق عليه لفقره، والله يتولاهما، بل هو أولى بهما منك، وأعلم بما فيه صلاحهما.

وقوله ﴿ فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَنْ تَعْدِلُوا أي: فلا يحملنّكم الهوى والعصبية وبغْضَة الناس إليكم على ترك العدل في أموركم وشؤونكم، بل الزموا العدل على أي حال كان؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ [المائدة:8].

﴿ وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا قال مجاهد: ﴿ تَلْوُوا أي: تحرّفوا الشهادة وتغيروها، و«اللَّيُّ» هو: التحريف وتعمُّد الكذب، قال تعالى: ﴿ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ [آل عمران:78] الآية. و«الإعراض» هو: كتمان الشهادة وتركها؛ قال الله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ [البقرة:283]. وقال النبي : «خير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يُسألها» [رواه مسلم]. ولهذا توعدهم الله بقوله: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا أي: وسيجازيكم بذلك.

الآية (136): يأمر الله تعالى عباده المؤمنين بالدخول في جميع شرائع الإيمان وشُعَبه وأركانه ودعائمه، وليس هذا من باب تحصيل الحاصل، بل من باب تكميل الكامل وتقريره وتثبيته والاستمرار عليه؛ كما يقول المؤمن في كل صلاة: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6] أي: بَصِّرنا فيه، وزِدْنا هدى، وثبّتنا عليه. فأمرهم بالإيمان به وبرسوله كما قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ [الحديد:28]. قوله: ﴿ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ يعني: القرآن ﴿ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وهذا جنس يشمل جميع الكتب المتقدمة، وقال في القرآن: ﴿ نَزَّلَ ؛ لأنه نزل مفرقًا مُنَجّمًا على الوقائع، بحسب ما يحتاج إليه العباد إليه في معاشهم ومعادهم، وأما الكتب المتقدمة فكانت تنزل جملة واحدة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ . ثم قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا أي: فقد خرج عن طريق الهدى، وبَعُدَ عن القصد كلّ البُعد.

الآية (137): يخبر تعالى عمن دخل في الإيمان ثم رجع عنه، ثم عاد فيه ثم رجع، واستمر على ضلاله وازداد حتى مات، فإنه لا توبة بعد موته، ولا يغفر الله له، ولا يجعل له مما هو فيه فرجًا ولا مخرجًا، ولا طريقًا إلى الهدى؛ ولهذا قال: ﴿ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا . روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا قال: تمادوا على كفرهم حتى ماتوا. وروى ابن أبي حاتم عن علي أنه قال: يُستتاب المرتد، ثلاثًا، ثم تلا هذه الآية: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا .

الآية (138): ثم قال: ﴿ بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا يعني: أن المنافقين من هذه الصفة، فإنهم آمنوا ثم كفروا، فطُبع على قلوبهم.

الآية (139): ثم وصفهم بأنهم يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين؛ بمعنى: أنهم معهم في الحقيقة يوالونهم ويسرّون إليهم بالمودة، ويقولون لهم إذا خلَوا بهم: إنما نحن معكم، ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ [البقرة:14]. أي بالمؤمنين في إظهارنا لهم الموافقة. قال الله تعالى مُنكرًا عليهم فيما سلكوه من موالاة الكافرين: ﴿ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ . ثم أخبر تعالى بأن العزة كلها لله وحده لا شريك له، ولمن جعلها له. كما قال في الآية الأخرى: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا [فاطر:10]، وقال تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ [المنافقون:8]. والمقصود من هذا: التهييج على طلب العزة من جناب الله، والالتجاء إلى عبوديته، والانتظام في جملة عباده المؤمنين الذين لهم النصرة في هذه الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد.

الآية (140): قوله: ﴿ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ أي: إذا ارتكبتم النهي بعد وصوله إليكم، ورضيتم بالجلوس معهم في المكان الذي يُكفَر فيه بآيات الله ويُستهزأ ويُتَنَقَّص بها، وأقررتموهم على ذلك؛ فقد شاركتموهم في الذي هُم فيه؛ فلهذا قال تعالى: ﴿ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ في المأثم؛ كما جاء في الحديث: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يُدَار عليها الخَمْر» [رواه أحمد والترمذي، وحسنه الألباني]. والذي أُحيل عليه في هذه الآية[1] من النهي في ذلك هو قوله تعالى في الأنعام، وهي مكية: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [الأنعام:68]. قوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا أي: كما اشتركوا في الكفر، كذلك يشارك الله بينهم في الخلود في نار جهنم أبدًا، وجمع بينهم في دار العقوبة والنكال، والقيود والأغلال، وشُرْب الحميم والغِسْلين لا الزّلال.