حجم الخط:

الآيات (137-159)

الآية (137-140): ﴿ إِنْ هَٰذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ قرأ بعضهم بفتح الخاء وتسكين اللام. قال ابن مسعود وابن عباس وعلقمة ومجاهد: يعنون ما هذا الذي جئتنا به إلا أخلاق[1] الأولين كما قال المشركون: ﱡﭐ وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا [الفرقان: 5]. وقرأ آخرون بضم الخاء واللام، يعنون: دينهم وما هم عليه من الأمر هو دين الأوائل من الآباء والأجداد. ونحن تابعون لهم، سالكون وراءهم، نعيش كما عاشوا، ونموت كما ماتوا، ولا بَعْثَ ولا مَعَاد؛ ولهذا قالوا: ﴿ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ قال ابن عباس: ﴿ إِنْ هَٰذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ يقول: دين الأولين. وقاله عكرمة وعطاء الخراساني وقتادة وعبد الرحمن بن زيد ابن أسلم، واختاره ابن جرير. قال الله تعالى: ﴿ فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ أي: فاستمروا على تكذيب نبي الله هود ومخالفته وعناده، فأَهلَكَهم الله، وقد بيَّن سَبَب إهلاكه إيَّاهم في غير موضع من القرآن بأنه أَرسَل عليهم ريحًا صَرصرًا عاتيةً، أي: ريحًا شديدة الهبوب ذات برد شديد جدًا، فكان إهلاكهم من جِنْسِهم؛ فإنهم كانوا أَعْتَى شيء وأَجْبَره، فسَلَّط الله عليهم ما هو أَعْتَى منهم وأَشَدّ قوةً، قال تعالى: ﴿ فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ [الحاقة:7]، أي: بقوا أبدانًا بلا رؤوس؛ وذلك أن الريح كانت تأتي الرجل منهم فتَقتَلِعه وتَرفَعه في الهواء، ثم تُنَكِّسُهُ على أُمِّ رأسه فتَشْدَخُ دماغه، وتَكْسِر رأسه، وتُلْقِيه، ﴿ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ [القمر:20]. وقد كانوا تَحَصَّنوا في الجبال والكهوف والمغارات، وحَفَروا لهم في الأرض إلى أنصافهم، فلم يُغْنِ عنهم ذلك من أَمْرِ الله شيئًا؛ ﴿ إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ [نوح:4]؛ ولهذا قال: ﴿ فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ الآية.

الآية (141-145): وهذا إخبار من الله عز وجل عن عبده ورسوله صالح عليه السلام: أنه بَعَثَه إلى قومه ثمود، وكانوا عَرَبًا يسكنون مدينة الحِجْر، التي بين وادي القُرَى وبلاد الشام، فدَعَاهم نَبيُّهم صالح إلى الله أن يعبدوه وحده لا شريك له، وأن يُطِيعوه فيما بَلَّغَهُمْ من الرسالة، فأَبَوا عليه وكَذَّبوه وخالفوه. فأَخْبَرَهم أنه لا يَبتَغِي بدعوتهم أجرًا منهم، وإنما يَطلُب ثواب ذلك من الله عز وجل.

الآية (146-152): يقول لهم واعظًا لهم ومحذِّرًا إيَّاهم نِقَم الله أن تَحِلَّ بهم، ومُذّكِّرًا بأَنْعُم الله عليهم فيما رَزَقَهم من الأرزاق الدَّارَّة، وجَعَلَهم في أَمْنٍ من المحذورات، وأَنْبَتَ لهم من الجنات، وفَجَّر لهم من العيون الجاريات، وأَخرَج لهم من الزروع والثمرات: ﴿ أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ ﴿١٤٦ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ﴿١٤٧ وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ ، قال العوفي عن ابن عباس: أَيْنَعَ وبَلَغ، فهو هضيم. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿ طَلْعُهَا هَضِيمٌ يقول: مُعْشِبَةٌ. وقال عن ابن عباس: إذا رَطُب وَاسْتَرْخَى. وقال أبو العلاء: هو الـمُذَنَّب من الرُّطَبِ. وقال مجاهد: هو الذي إذا يَبِسَ تَهَشَّم وتَفَتَّتَ وتَنَاثَر. و[عن] مجاهد قال: حين يطلعُ تَقْبِضُ عليه فتهضمه، فهو من الرَّطْب الـهَضِيمِ، ومن اليابس الهشيم، تَقْبِضُ عليه فَتُهَشِّمُهُ. وقال عكرمة وقتادة: الهضيم: الرَّطْبُ اللَّيِّنُ. وقال الضحاك: إذا كَثُرَ حِمْلُ الثمرة، ورَكِبَ بعضُه بعضًا، فهو هَضِيم. وقال مَرَّة: هو الطَّلْعُ حين يَتَفَرَّقُ ويَخْضَرُّ. وقال الحسن البصري: هو الذي لا نوى له. وقال أبو صخر: ما رَأَيْتَ الطلعَ حِينَ يُشَقُّ عنه الكُمُّ، فَتَرَى الطَّلْع قد لَصِقَ بعضه ببعض؟! فهو الـهَضِيمِ.

وقوله: ﴿ وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ قال ابن عباس، وغير واحد: يعني: حاذقين. وفي رواية عنه: شَرِهِينَ أَشِرِينَ. وهو اختيار مجاهد وجماعة. ولا منافاةَ بينهما؛ فإنهم كانوا يَتَّخِذون تلك البيوت المنحوتة في الجبال أشرًا وبَطَرًا وعَبَثًا، من غير حاجة إلى سُكنَاها، وكانوا حاذقين مُتْقِنين لنَحْتِها ونَقْشِها، كما هو المشاهد من حالهم لمن رأى منازلهم؛ ولهذا قال: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ أي: أَقبِلُوا على عَمَل ما يَعود نَفعُه عليكم في الدنيا والآخرة، من عبادة ربِّكم الذي خَلَقَكم ورَزَقكم لتُوَحِّدُوه وتعبدوه وتُسَبِّحُوه بكرةً وأصيلًا، ﴿ وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ ﴿١٥١ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ يعني: رؤساءهم وكبراءهم، الدعاة لهم إلى الشرك والكفر، ومخالفة الحقِّ.

الآية (153-159): يقول تعالى مخبرًا عن ثمودَ في جوابهم لنبيِّهم صالح عليه السلام حين دعاهم إلى عبادة ربِّهم أنَّهم ﴿ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ قال مجاهد وقتادة: يعنون من الـمَسْحُورِين. وعن ابن عباس: من المخلوقين، يعني الذين لهم سُحور، والسَّحْر: هو الرئة. والأظهر في هذا قول مجاهد وقتادة أنهم يقولون: إنما أنت في قولك هذا مسحور لا عَقْل لك. ثم قالوا: ﴿ مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا يعني: فكيف أُوحِيَ إليك دوننا؟! كما قالوا: ﴿ أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ ﴿٢٥ سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ [القمر: 25-26].

ثم إنهم اقترحوا عليه آية يأتيهم بها، ليعلموا صِدْقَه بما جاءهم به من ربهم، وقد اجتمع مَلَؤُهُم وطلبوا منه أن يُخِرِجَ لهم الآن من هذه الصخرة ناقةً عُشَرَاء -وأشاروا إلى صخرة عندهم- من صِفَتِها كذا وكذا. فعند ذلك أَخَذَ عليهم نبيُّ الله صالح العهود والمواثيق، لئن أجابهم إلى ما سألوا لَيُؤمِنُنَّ به، ولَيَتَّبِعُنَّهُ، فأَنْعَمُوا بذلك. فقام نبي الله صالح عليه السلام فصلى، ثم دعا الله عز وجل أن يُجِيبَهم إلى سؤالهم، فانفطرت تلك الصخرة التي أشاروا إليها عن ناقة عُشَرَاء، على الصفة التي وَصَفُوها. فآمن بعضهم وكَفَر أكثرهم. ﴿ قَالَ هَٰذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ يعني: تَرِدُ ماءكم يومًا، ويومًا تَردُونه أنتم. ﴿ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ فحَذَّرَهم نقمةَ الله إن أصابوها بسوء، فمَكَثَتْ الناقة بين أَظْهُرِهم حِينًا من الدهر تَرِدُ الماء، وتَأكل الوَرَقَ والـمَرْعَى. وينتفعون بلَبَنِها، يَحتَلِبون منها ما يَكفِيهم شُرْبًا ورِيًّا، فلمَّا طال عليهم الأَمَد وحَضَر شقاؤهم، تمالؤوا على قَتْلِها وعَقْرِها ﴿ فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ ﴿١٥٧ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وهو أن أَرضَهم زُلْزِلَت زِلزَالًا شديدًا، وجاءتهم صيحةٌ عظيمةٌ اقتَلَعَت القلوب عن مَحَالِّـهَا، وأتاهم من الأمر ما لم يكونوا يحتسبون، فأصبحوا في ديارهم جاثمين ﴿ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً ۖ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿١٥٨ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ .