حجم الخط:

الآيات (146-153)

الآية (146-147): يخبر تعالى أنّ علماء أهل الكتاب يعرفون صِحّة ما جاءهم به الرسول كما يعرف أحدُهم ولدَه، والعربُ كانت تضرب المثلَ في صحة الشيء بهذا. ثم أخبر تعالى أنهم مع هذا التحقق والإيقان العلمي ﴿ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ أي: ليكتمون الناس ما في كتبهم من صفة النبي ﴿ وَهُمْ يَعْلَمُونَ . ثم ثبَّت تعالى نبيه والمؤمنين، وأخبرَهم بأن ما جاء به الرسول هو الحق الذي لا مِرْية فيه ولا شكّ، فقال: ﴿ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ .

الآية (148): قال أبو العالية: لليهودي وجهة هو مولّيها، وللنصراني وجهة هو موليها، وهَدَاكم -أنتم أيتها الأمة- إلى القبلة التي هي القبلة. وروي عن مجاهد وعطاء نحو هذا.

وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا [المائدة:48]. وقال ههنا: ﴿ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، أي: هو قادر على جَمْعِكُم من الأرض، وإن تفرّقت أجسادكم وأبدانكم.

الآية (149-150): هذا أمر ثالث من الله تعالى باستقبال المسجد الحرام من جميع أقطار الأرض. وقوله: ﴿ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ أي: أهل الكتاب؛ فإنهم يعلمون من صفة هذه الأمة التوجُّه إلى الكعبة، فإذا فَقَدُوا ذلك مِن صفتها ربما احتجّوا بها على المسلمين، أو لئلا يحتجّوا بموافقة المسلمين إياهم في التوجُّه إلى بيت المقدس. وهذا أظهر.

﴿ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ يعني: مشركي قُريش. وَوَجَّهَ بعضُهم حُجَّة الظَّلَمَةِ -وهي داحضة- أنْ قالوا: إن هذا الرجل يزعمُ أنه على دين إبراهيم: فإن كان تَوَجُّهُه إلى بيت المقدس على ملة إبراهيم، فلِمَ رَجَع عنه؟ والجواب: أن الله تعالى اختار له التوجُّهَ إلى بيت المقدس أوّلًا لِـما له تعالى في ذلك من الحكمة، فأطاع ربَّه تعالى في ذلك، ثم صَرَفَه إلى قبلة إبراهيم -وهي الكعبة- فامتثل أمْر الله في ذلك أيضًا، فهو - صلوات الله وسلامُه عليه - مطيع لله في جميع أحواله، لا يَخرج عن أمر الله طَرْفَةَ عينٍ، وأُمَّتهُ تَبَع له.

وقوله: ﴿ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي أي: لا تخشوا شُبَهَ الظَّلَمَةِ المتعنِّتين، وأفْرِدُوا الخشية لي، فإنه تعالى هو أهل أن يُخشى منه. وقوله: ﴿ وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ عَطْف على ﴿ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ أي: ولِأُتِمَّ نعمتي عليكم فيما شرعته لكم من استقبال الكعبة، لِتَكْمُلَ لكم الشريعة من جميع وجوهها، ﴿ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ أي: إلى ما ضَلّت عنه الأمم هديناكم إليه، وخَصصْناكم به، ولهذا كانت هذه الأمة أشرفَ الأمم وأفضلها.

الآية (151-152): يُذَكِّرُ تعالى عبادَه المؤمنين ما أنعم به عليهم من بعثة الرسول محمد إليهم، يتلو عليهم آيات الله مبيِّنات ويُزَكِّيهم، أي: يطهِّرهم من رذائل الأخلاق ودَنَس النفوس وأفعال الجاهلية، ويُخرجهم من الظلمات إلى النور، ويُعلِّمهم الكتاب -وهو القرآن- والحكمة -وهي السنة- ويعلِّمهم ما لم يكونوا يعلمون. فكانوا في الجاهلية الجَهْلاء يُسفَّهُون بالقول الفِرَى، فانتقلوا ببركة رسالته، ويُمْنِ سِفَارَتِه، إلى حال الأولياء، وسجايا العلماء فصاروا أعمق الناس عِلمًا، وأبرَّهم قلوبًا، وأقلهم تكلّفًا، وأصدَقهم لهجةً. وقال تعالى: ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ الآية [آل عمران:164]؛ وذمَّ من لم يعرف قدر هذه النعمة، فقال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ [إبراهيم:28]. قال ابن عباس: يعني محمدًا ﴿ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يقول: كما فعلتُ فاذكروني. وعن سعيد بن جبير: اذكروني بطاعتي أَذْكُرْكم بمغفرتي، وفي رواية: برحمتي. ولهذا نَدَب الله المؤمنين إلى الاعتراف بهذه النعمة ومقابلتها بذكره وشكره، فقال: ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ . [عن أنس قال: قال رسول الله : «قال الله عز وجل: يا ابن آدم، إن ذكرتني في نفسك ذكرتك في نفسي، وإن ذكرتني في ملأ ذكرتك في ملأ من الملائكة - أو قال: ملأ خير منهم - وإن دنوتَ مني شبرًا دنوتُ منك ذراعًا، وإن دنوتَ مني ذراعًا دنوتُ منك باعًا، وإن أتيتني تمشي أتيتك أُهَرْوِل» [أخرجه البخاري]. ﴿ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ : أمر الله تعالى بشكره، ووعده على شكره بمزيد الخير، فقال: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم:7]. وعن أبي رجاء العطاردي قال: خرَج علينا عمران بن حصين وعليه مِطْرَفٌ مِنْ خَزٍّ لم نرَه عليه قبل ذلك ولا بعده، فقال: إن رسول الله قال: «مَن أنعَم الله عليه نعمة؛ فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على خلقه» [رواه أحمد، وصححه الألباني].

الآية (153): لما فرغ تعالى من بيان الأمر بالشكر شرع في بيان الصبر، والإرشاد إلى الاستعانة بالصبر والصلاة، فإن العبد إمّا أن يكون في نعمة فَيَشْكُر عليها، أو في نقمة فيَصبِر عليها؛ كما جاء في الحديث: «عجبًا للمؤمن! لا يَقْضِي الله له قَضاءً إلا كان خيرًا له: إن أصابته سراء فَشَكَرَ، كان خيرًا له، وإن أصابته ضراء فصَبَر كان خيرًا له» [رواه مسلم]. وبيَّن تعالى أن أجود ما يستعان به على تَحَمّل المصائب: الصَّبْر والصلاة، كما تقدَّم في قوله: ﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ [البقرة:45]. وفي الحديث: «أنّ رسول الله كان إذا حَزَبَه أمرٌ صلى» [رواه أحمد، وحسنه الألباني]. والصبر صبران: فصبرٌ على ترك المحارم والمآثم، وصبرٌ على فعل الطاعات والقربات، والثاني أكثر ثوابًا؛ لأنه المقصود.