حجم الخط:

الآيات (155-162)

الآية (155-156): هذه من الذنوب التي ارتكبوها مما أوجب لعنتهم وطردهم وإبعادهم عن الهدى؛ وهو نقضهم المواثيق والعهود التي أخذت عليهم، ﴿ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ ﴾ أي: حُجَجه وبراهينه، والمعجزات التي شاهدوها على أيدي الأنبياء عليهم السلام.

﴿ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾ وذلك لكثرة إجرامهم واجترائهم على أنبياء الله؛ فإنهم قتلوا جمًّا غفيرًا من الأنبياء عليهم السلام. ﴿ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ﴾ قال ابن عباس: أي في غطاء، وهذا كقول المشركين: ﴿ وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ ﴾ [فصلت: 5]. قوله: ﴿ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ أي: مَرَدت قلوبهم على الكفر والطغيان وقلة الإيمان. قوله: ﴿ وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا ﴾ قال ابن عباس: يعني أنهم رموها بالزنا. وهو ظاهر من الآية: أنهم رموها وابنها بالعظائم، فجعلوها زانية، قد حملت بولدها من ذلك.

الآية (157-159): ﴿ وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ ﴾ أي: هذا الذي يدّعي لنفسه هذا المنصب قتلناه. وهذا منهم من باب التهكم والاستهزاء؛ كقول المشركين: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ﴾ [الحجر:6]. وقد أوضح الله الأمر وجلَّاه وبيّنه وأظهره في القرآن العظيم، الذي أنزله على رسوله الكريم، المؤيَّد بالمعجزات والبينات والدلائل الواضحات؛ فقال تعالى: ﴿ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ﴾ أي: رأوا شبهه فظنّوه إياه؛ ولهذا قال: ﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ۚ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ﴾ يعني بذلك: من ادّعى قتله من اليهود، ومن سَلَّمه من جهال النصارى، كلهم في شك من ذلك وحيرة وضلال وسُعُر. ﴿ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا ﴾ أي: وما قتلوه متيقنين أنه هو، بل شاكين متوهمين. قوله: ﴿ بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾ أي: منيع الجناب لا يُرام جنابه، ولا يُضام من لاذَ ببابه ﴿ حَكِيمًا ﴾ أي: في جميع ما يقدّره ويقضيه من الأمور التي يخلقها وله الحكمة البالغة، والحجة الدامغة، والسلطان العظيم، والأمر القديم. قوله: ﴿ وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ﴾ قال ابن جرير: اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: يعني بعيسى ﴿ قَبْلَ مَوْتِهِ ﴾ يعنى: قبل موت عيسى؛ يُوَجَّه ذلك إلى أن جميعهم يصدقون به إذا نزل لقتل الدجال، فتصير الملل كلها واحدة، وهي ملة الإسلام الحنيفية، دين إبراهيم عليه السلام. ثم روى عن ابن عباس قال: قبل موت عيسى ابن مريم عليه السلام. هذا القول هو الحق. وقال آخرون: يعنى بذلك: ﴿ وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ ﴾ بعيسى قبل موت الكتابي. وأَولى هذه الأقوال بالصحة أنه لا يبقى أحد من أهل الكتاب بعد نزول عيسى عليه السلام إلا آمن به قبل موته، أي: قبل موت عيسى عليه السلام. ولا شك أن هذا الذي قاله ابن جرير هو الصحيح؛ لأنه المقصود من سياق الآي في تقرير بطلان ما ادّعته اليهود من قتل عيسى وصَلْبه، وتسليم من سلَّم لهم من النصارى الجهلة ذلك، فأخبرت هذه الآية الكريمة أنه يؤمن به جميع أهل الكتاب حينئذ، ولا يتخلّف عن التصديق به واحد منهم.

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عدلاً فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة خيرًا من الدنيا وما فيها». ثم يقول أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم: ﴿ وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ﴾ [متفق عليه]. ﴿ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ﴾ أي: بأعمالهم التي شاهدها منهم قبل رَفْعِه إلى السماء وبعد نزوله إلى الأرض. قال قتادة: يشهد عليهم أنه قد بلغهم الرسالة من الله، وأقر بالعبودية لله عز وجل. وهذا كقوله تعالى في آخر سورة المائدة: ﴿ وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ۖ ﴾ إلى قوله: ﴿ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [المائدة:116-118].

الآية (160-161): يخبر تعالى أنه بسبب ظلم اليهود بما ارتكبوه من الذنوب العظيمة، حَرّم عليهم طيبات كان أحلها لهم. وهذا التحريم قد يكون قدريًا، بمعنى: أنه تعالى قيضهم لأنْ تأوَّلوا في كتابهم، وحرَّفوا وبدَّلوا أشياء كانت حلالًا لهم، فحرَّموها على أنفسهم، تشديدًا منهم على أنفسهم وتضييقًا وتَنطُّعًا. ويحتمل أن يكون شرعيًا، بمعنى: أنه تعالى حَرّم عليهم في التوراة أشياء كانت حلالًا لهم قبل ذلك؛ كما قال تعالى: ﴿ كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ ﴾ [آل عمران:93]. ولهذا قال: ﴿ فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا ﴾ أي: صدّوا الناس وصدّوا أنفسهم عن اتباع الحق. وهذه سَجِيَّة لهم مُتّصفون بها من قديم الدهر وحديثه؛ ولهذا كانوا أعداء الرسل، وقتلوا خَلْقًا من الأنبياء، وكذّبوا عيسى ومحمدًا صلوات الله وسلامه عليهما. قوله: ﴿ وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ ﴾ أي: أن الله قد نهاهم عن الربا فتناولوه وأخذوه، واحتالوا عليه بأنواع من الحيل وصنوف من الشُّبَه، وأكلوا أموال الناس بالباطل. قال الله تعالى: ﴿ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾.

الآية (162): ﴿ لَٰكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ ﴾ أي: الثابتون في الدين لهم قدم راسخة في العلم النافع. ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ ﴾ عطفٌ على الراسخين. وخبره ﴿ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ﴾. قال ابن عباس: أُنزلت في عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سَعْيَة، وزيد بن سَعْيَة، وأسد بن عُبيد، الذين دخلوا في الإسلام، وصدّقوا بما أرسل الله به محمدًا ﷺ. قوله: ﴿ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ ﴾ قال بعضهم: هو منصوب على المدح؛ كما جاء في قوله: ﴿ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ﴾ [البقرة: 177]، قالوا: وهذا سائغ في كلام العرب.

وقال آخرون: هو مخفوض عطفًا على قوله: ﴿ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ﴾؛ يعني: وبالمقيمين الصلاة؛ وكأنه يقول: وبإقامة الصلاة، أي: يعترفون بوجوبها وكتابتها عليهم. ﴿ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ﴾ يُحتمل أن يكون المراد: زكاة الأموال، ويحتمل زكاة النفوس، ويحتمل الأمرين. ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾ أي: يصدقون بأنه لا إله إلا الله، ويؤمنون بالبعث بعد الموت، والجزاء على الأعمال خيرها وشرها. وقوله: ﴿ أُولَٰئِكَ ﴾ هو الخبر عما تقدم ﴿ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ يعني: الجنة.