حجم الخط:

الآيات (16-35)

الآية (16-22): يُخْبِرُ تعالى عن قدرته على الإنسان بأنه خالقه، وعلمه محيط بجميع أموره، حتى إنه تعالى يعلم ما تُوَسْوس به نفوس بني آدم من الخير والشر. ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ يعني: ملائكته تعالى أقربُ إلى الإنسان من حَبل وريده إليه. ومن تأوَّله على العلم فإنَّمَا فَرَّ لئلا يَلْزَمَ حُلُولٌ أو اتِّحَاد، وهما مَنْفِيَّان بالإجماع -تعالى الله وتقدَّس- ولكن اللفظ لا يقتضيه؛ فإنه لم يَقُل: وأنا أقرب إليه من حبل الوريد، وإنَّـمَا قال: ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ؛ كما قال في المحتضر: ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَٰكِنْ لَا تُبْصِرُونَ [الواقعة:85]؛ يعني ملائكته. وكذلك الملائكة أقرب إلى الإنسان من حبل وريده إليه بإقدار الله لهم على ذلك؛ فللملك لَـمَّةٌ في الإنسان كما أن للشيطان لَـمَّة؛ ولهذا قال ههنا: ﴿ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ يعني: الملكين اللذين يكتبان عمل الإنسان ﴿ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ أي: مُتَرَصِّدٌ، ﴿ مَا يَلْفِظُ أي: ابن آدم ﴿ مِنْ قَوْلٍ أي: ما يتكلَّم بكلمة ﴿ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ أي: إلا ولها من يراقبها مُعَدٌّ لذلك يَكتُبها، لا يَتْرُك كلمةً ولا حركةً؛ كما قال تعالى: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ١٠ كِرَامًا كَاتِبِينَ ١١ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [الانفطار: 10 -12].

وقد اختلف العلماء: هل يَكتُب الملك كل شيء من الكلام، وهو قول الحسن وقتادة، أو إنما يكتب ما فيه ثواب وعقاب كما هو قول ابن عباس، وظاهر الآية الأول؛ لعموم قوله: ﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ . قوله: ﴿ وَجَاءَتْ أيها الإنسان ﴿ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ أي: كَشَفَتْ لك عن اليقين الذي كُنْتَ تَـمْتَري فيه، ﴿ ذَٰلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ أي: هذا هو الذي كُنْتَ تَفِرُّ منه قد جاءك، فلا محيدَ ولا مناصَ، ولا فِكَاك ولا خَلاص. وقد اختلف المفسرون في المخاطب بقوله: ﴿ كُنْتَ ، فالصحيح أن المخاطب بذلك الإنسان من حيث هو. وقيل: الكافر، وقيل: غير ذلك. وعن النبي : لَـمَّا تَغَشَّاه الموت جَعَل يَمْسَح العَرَق عن وجهه ويقول: «سبحان الله! إن للموت لسكرات» [رواه البخاري]. وفي قوله: ﴿ ذَٰلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ قولان: أحدهما: أن «ما» ههنا موصولة، أي: الذي كُنْتَ منه تَحِيد -بمعنى: تَبْتَعِد وتَنْأَى وتَفِرّ- قد حَلَّ بك ونَزَلَ بساحتك. والثاني: أن «ما» نافية بمعنى: ذلك ما كُنْتَ تَقْدِرُ على الفرار منه ولا الحيد عنه. ﴿ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَٰلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ النفخ في الصور للفزع والصعق والبعث. ﴿ وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ أي: ملك يسوقه إلى المحشر، وملك يشهد عليه بأعماله. هذا هو الظاهر من الآية الكريمة. وهو اختيار ابن جرير، وعن أبي هريرة: السائق: الملَك، والشهيد: العمل. وكذا قال الضحاك والسُّدِّي. وقال ابن عباس: السائق من الملائكة، والشهيد: الإنسان نفسه؛ يشهد على نفسه. وحكى ابن جرير ثلاثة أقوال في المراد بهذا الخطاب في قوله: ﴿ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ : أحدها: أن المراد بذلك الكافر. رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس. والثاني: أن المراد بذلك كل أحد من بر وفاجر؛ لأن الآخرة بالنسبة إلى الدنيا كاليقظة، والدنيا كالمنام. وهذا اختيار ابن جرير. والثالث: أن المخاطب بذلك النبي . وبه يقول زيد بن أسلم، وابنه. والمعنى على قولهما: لقد كنت في غفلة من هذا الشأن قبل أن يوحى إليك، فكشفنا عنك غطاءك بإنزاله إليك، فبصرك اليوم حديد. والظاهر من السياق خلاف هذا، بل الخطاب مع الإنسان من حيث هو، والمراد بقوله: ﴿ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَٰذَا يعني: من هذا اليوم ﴿ فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ أي: قوي؛ لأن كلَّ واحد يوم القيامة يكون مستبصرًا، حتى الكفار في الدنيا يكونون يوم القيامة على الاستقامة، لكن لا ينفعهم ذلك.

الآية (23-29): يقول تعالى مخبرًا عن الملك الموكل بعمل ابن آدم: إنه يشهد عليه يوم القيامة بما فعل ويقول: ﴿ هَٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ أي: مُعْتَد مُحْضَرٌ بلا زيادة ولا نقصان. وقال مجاهد: هذا كلام الملَك السائق يقول: هذا ابن آدم الذي وكَّلْتَني به، قد أَحْضَرْته. وقد اختار ابن جرير أن يَعُمَّ السائق والشهيد، وله اتِّجَاهٌ وقوة. فعند ذلك يحكم الله في الخليقة بالعدل فيقول: ﴿ أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ الظاهر أنها مخاطبة مع السائق والشهيد، فالسائق أحضره إلى عرصة الحساب، فلمَّا أدى الشهيد عليه، أمرهما الله تعالى بإلقائه في نار جهنم. ﴿ كُلَّ كَفَّارٍ كثير الكفر والتكذيب بالحق، ﴿ عَنِيدٍ معاند للحق، معارض له بالباطل مع علمه بذلك، ﴿ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ لا يُؤَدِّي ما عليه من الحقوق، ولا بِرَّ فيه ولا صِلة ولا صدقة، ﴿ مُعْتَدٍ فيما ينفقه ويَصْرفه، يَتَجَاوَز فيه الحدَّ. ﴿ مُرِيبٍ أي: شاكّ في أمره، مريب لمن نَظَرَ في أمره. ﴿ الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ أشرك بالله فعَبَدَ معه غيره، ﴿ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ .

﴿ قَالَ قَرِينُهُ قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم: هو الشيطان الذي وُكِّل به. أي: يقول عن الإنسان الذي قد وافى القيامة كافرًا، يَتَبَرَّأ منه شيطانه: ﴿ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ أي: ما أَضْلَلْتُه، ﴿ وَلَٰكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ أي: بل كان هو في نفسه ضالًّا قابلًا للباطل معاندًا للحقِّ. ﴿ قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ يقول الربُّ عز وجل للإنسي وقَرينه من الجن، وذلك أنهما يختصمان بين يدي الحقِّ ﴿ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ أي: قد أَعْذَرْتُ إليكم على ألسنة الرُّسُل، وأنزلت الكتب، وقامت عليكم الحجج والبينات والبراهين. ﴿ مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ قال مجاهد: يعني قد قضيتُ ما أنا قاضٍ، ﴿ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ لست أُعَذِّب أحدًا بذنب أحد، ولكن لا أُعَذِّب أحدًا إلا بذنبه، بعد قيام الحجة عليه.

الآية (30-35): يخبر تعالى أنه يقول لجهنم يوم القيامة: ﴿ هَلِ امْتَلَأْتِ ؟ وذلك أنه وعدها أن سيملؤها من الجنة والناس أجمعين، فهو سبحانه يأمر بمن يأمر به إليها، ويلقى وهي تقول: ﴿ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ أي: هل بَقِي شيء تزيدوني؟ هذا هو ظاهر سياق الآية، وعن أنس [مرفوعًا]: «يُلقَى في النار، وتقول: هل من مزيد، حتى يضع قدمه فيها، فتقول قَطْ قَطْ» [رواه البخاري]. ﴿ وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ قال قتادة وأبو مالك والسُّدِّي: أُدْنِيَتْ وقُرِّبَتْ من المتقين. ﴿ غَيْرَ بَعِيدٍ وذلك يوم القيامة، وليس ببعيد؛ لأنه واقع لا محالة، وكل ما هو آت قريب.

﴿ هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ أي: رَجَّاع تائب مُقْلِع، ﴿ حَفِيظٍ أي: يحفظ العهد فلا ينقضه ولا يَنْكُثُه. ﴿ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ أي: من خاف الله في سِرِّه حيث لا يراه أحد إلا الله؛ كقوله : «ورجلٌ ذَكَر الله خاليًا، ففاضت عيناه» [متفق عليه]. ﴿ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ولقيَ الله يوم القيامة بقلب سليم منيب إليه خاضع لديه. ﴿ ادْخُلُوهَا أي: الجنة ﴿ بِسَلَامٍ قال قتادة: سَلِموا من عذاب الله، وسَلَّم عليهم ملائكة الله. ﴿ ذَٰلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ أي: يخلدون في الجنة فلا يموتون أبدًا، ولا يَظْعَنون أبدًا، ولا يَبغُون عنها حِوَلًا. وقوله: ﴿ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا أي: مهما اختاروا وَجَدوا من أي أصناف الملاذِّ طلبوا أُحْضِرَ لهم. وقوله: ﴿ وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ كقوله: ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ [يونس:26]. وعن صُهَيب: أنها النظر إلى وجه الله الكريم [رواه مسلم].