حجم الخط:

الآيات (166-173)

الآية (166): ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ أي: فراركم بين يدي عدوكم وقتلهم لجماعة منكم وجراحتهم لآخرين- كان بقضاء الله وقدره، وله الحكمة في ذلك.

﴿ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ أي: الذين صبروا وثبتوا ولم يتزلزلوا.

الآية (167): ﴿ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا ۚ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا ۖ قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ يعني بذلك أصحاب عبد الله بن أُبي ابن سلول الذين رجعوا معه في أثناء الطريق، فاتبعهم من اتبعهم من المؤمنين يحرضونهم على الإياب والقتال والمساعدة؛ ولهذا قال: ﴿ أَوِ ادْفَعُوا قال ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جُبَير: يعني كَثِّروا سواد المسلمين. فتعلَّلوا قائلين: ﴿ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ قال مجاهد: يعنون لو نعلم أنكم تلقون حربًا لجئناكم، ولكن لا تلقون قتالًا. قال الله تعالى: ﴿ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ استدلوا به على أن الشخص قد تتقلب به الأحوال، فيكون في حال أقرب إلى الكفر، وفي حال أقرب إلى الإيمان. ثم قال: ﴿ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ يعني: أنهم يقولون القول ولا يعتقدون صحته، ومنه قولهم هذا: ﴿ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ ؛ فإنهم يتحققون أن جُندًا من المشركين قد جاءوا من بلاد بعيدة، يتحرقون على المسلمين بسبب ما أُصيب مِن سَرَاتِهم يوم بدر، وهم أضعاف المسلمين، أنه كائنٌ بينَهم قتالٌ لا محالة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ .

الآية (168): ﴿ الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا أي: لو سمعوا من مشورتنا عليهم في القعود وعدم الخروج ما قُتلوا مع من قُتل. قال الله تعالى: ﴿ قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ أي: إن كان القُعود يَسْلَم به الشخص من القتل والموت، فينبغي أنكم لا تموتون، والموت لا بد آتٍ إليكم ولو كنتم في بروج مُشَيّدة، فادفعوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين. قال مجاهد، عن جابر بن عبد الله: نزلت هذه الآية في عبد الله بن أُبي ابن سلول.

الآية (169): يخبر تعالى عن الشهداء بأنهم وإن قُتلوا في هذه الدار فإن أرواحَهم حيَّة مرزوقة في دار القرار. وعن مسروق قال: سألنا عبد الله عن هذه الآية: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فقال: أمَا إنَّا قد سألنا عن ذلك رسول الله فقال: «أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ، لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ» [رواه مسلم].

عن ابن عباس قال: قال رسول الله : «الشُّهَدَاءُ عَلَى بَارِقِ نَهَرٍ بِبَابِ الجنَّة، فِي قُبَّةٍ خَضْرَاءَ، يَخْرُجُ عَلَيْهِمْ رِزْقُهُمْ مِنْ الجنَّة بُكْرَةً وَعَشِيًّا» [رواه أحمد، وصحح إسناده أحمد شاكر].

وكأن الشهداء أقسام: منهم من تسرح أرواحهم في الجنة، ومنهم من يكون على هذا النهر بباب الجنة، وقد يحتمل أن يكون منتهى سيرهم إلى هذا النهر فيجتمعون هنالك، ويُغدَى عليهم برزقهم هناك ويُراح.

عن كعب بن مالك، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله : «نسمة المؤمن طائر يَعْلَقُ في شجر الجنة، حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه» [رواه أحمد وصححه الألباني].

الآية (170): ﴿ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ أي: الشهداء الذين قُتلوا في سبيل الله أحياءٌ عند الله، وهم فَرحون مما هم فيه من النعمة والغبطة، ويستبشرون بإخوانهم الذين يُقتلون بعدهم في سبيل الله: أنهم يقدمون عليهم، وأنهم لا يخافون مما أمامهم ولا يحزنون على ما تركوه وراءهم، نسأل الله الجنة.

الآية (171): ثم قال: ﴿ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ : قال محمد بن إسحاق: استبشَروا وسُرُّوا لما عاينوا من وفاء الموعود وجزيل الثواب.

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هذه الآية جمعت المؤمنين كلهم، سواء الشهداء وغيرهم، وقَلَّما ذكر اللهُ فضلًا ذكر به الأنبياء وثوابًا أعطاهم إلا ذكر ما أعطى الله المؤمنين من بعدهم.

الآية (172): ﴿ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ : هذا كان يوم «حمراء الأسد»؛ وذلك أن المشركين لـمّا أصابوا ما أصابوا من المسلمين كرُّوا راجعين إلى بلادهم، فلما استمروا في سيرهم تَنَدّمُوا لمَ لا تَمَّموا على أهل المدينة وجعلوها الفيصَلة! فلما بلغ ذلك رسول الله ندب المسلمين إلى الذهاب وراءهم ليُرْعِبَهم ويُريهم أنَّ بهم قُوّةً وجلَدًا، ولم يأذنْ لأحد سوى من حضر الوقعة يوم أحد، سوى جابر بن عبد الله رضي الله عنه ، فانتدب المسلمون على ما بهم من الجراح والإثخان، طاعةً لله ولرسوله .

وعن عائشة: ﴿ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ الآية، قالت لعروة: يا ابن أختي، كان أبواك منهم: الزبير وأبو بكر؛ لمّا أصاب نبيّ الله ما أصاب يوم أحد، وانصرف عنه المشركون، خاف أن يرجعوا فقال: «مَنْ يَرْجِعُ فِي إثْرِهِمْ؟» فانتدبَ منهم سبعون رجلًا فيهم أبو بكر والزبير [رواه البخاري].

الآية (173): ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ أي: الذين توعَّدهم الناس بالجموع وخوَّفوهم بكثرة الأعداء، فما اكترثوا لذلك، بل توكلوا على الله واستعانوا به ﴿ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ . وعن ابن عباس: ﴿ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ : قالها إبراهيم عليه السلام حين أُلْقِي في النار، وقالها محمد حين قالوا: ﴿ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [رواه البخاري].