حجم الخط:

الآيات (179-187)

الآية (179): يقول تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا أي: خلقنا وجعلنا ﴿ لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أي: هَيَّأْنَاهُم لها، وبعمل أهلها يعملون؛ فإنه تعالى لَـمَّا أراد أن يخلق الخلق، عَلِمَ ما هم عاملون قبل كونهم؛ عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله قال: «إن الله قَدَّر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء» [رواه مسلم]. وقوله تعالى: ﴿ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا يعني: ليس ينتفعون بشيء من هذه الجوارح التي جعلها الله سببًا للهداية كما قال تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [الأحقاف: 26].

وقوله تعالى: ﴿ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ أي: هؤلاء الذين لا يسمعون الحقَّ ولا يَعُوْنَه ولا يُبصِرون الهدى كالأنعام السارحة التي لا تنتفع بهذه الحواس منها إلا في الذي يُقِيتُها من ظاهر الحياة الدنيا؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً ۚ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ [البقرة: 171].

﴿ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أي: من الدواب؛ لأنها تَفْقَهُ ما خُلِقت له إمَّا بطبعها وإمَّا بتسخيرها، بخلاف الكافر؛ فإنه إنما خُلِق ليعبد الله ويُوَحِّده، فكفر بالله وأشرك به؛ ولهذا من أطاع الله من البشر كان أشرف من مثله من الملائكة في معاده، ومن كَفَر به من البشر، كانت الدواب أتمَّ منه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ .

الآية (180): عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله : «إن لله تسعةً وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدًا، من أحصاها دَخَل الجنة» [متفق عليه]، «وهو وِتْرٌ يحب الوِتْرَ» [رواه مسلم]. ثم لِيُعْلَم أن الأسماء الحسنى ليست منحصرة في التسعة والتسعين، بدليل ما روي عن ابن مسعود، عن رسول الله أنه قال: «ما أصاب أحدًا قَطُّ همٌّ ولا حَزَن فقال: اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عَدْلٌ فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميَّت به نفسك، أو علَّمْتَه أحدًا من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حَزَني، وذهاب هَمِّي، إلا أذهب الله هَمَّه وحَزَنه، وأبدله مكانه فرحًا» [رواه أحمد، وصحح إسناده أحمد شاكر]. وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ قال: إلحاد الملحدين: أن دَعَوُا اللَّات في أسماء الله. وقال مجاهد: اشتقُّوا اللَّات من الله، واشتقوا العُزَّى من العزيز. وقال قتادة: ﴿ يُلْحِدُونَ يشركون في أسمائه. وعن ابن عباس: الإلحاد: التكذيب. وأصل الإلحاد في كلام العرب: العُدول عن القصد، والميل والجور والانحراف، ومنه اللَّحْد في القبر، لانحرافه إلى جهة القبلة عن سَمْت الحفر.

الآية (181): يقول تعالى: ﴿ وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أي: وبعض الأمم ﴿ أُمَّةٌ قائمة بالحق قولًا وعملًا، ﴿ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ يقولونه ويدعون إليه، ﴿ وَبِهِ يَعْدِلُونَ يعملون ويقضون. وقد جاء في الآثار أن المراد بهذه الأمة المذكورة في الآية هي هذه الأمة المحمدية.

الآية (182-183): يقول تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ومعناه: أنه يفتح لهم أبواب الرزق ووجوه المعاش في الدنيا، حتى يغتَرُّوا بما هم فيه ويعتقدوا أنهم على شيء؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ وَأُمْلِي لَهُمْ أي: أُطَوِّلُ لهم ما هم فيه، ﴿ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ أي: قوي شديد.

الآية (184): ﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا هؤلاء المكذبون بآياتنا ﴿ مَا بِصَاحِبِهِمْ يعني محمدًا صلوات الله وسلامه عليه ﴿ مِنْ جِنَّةٍ أي: ليس به جنون، بل هو رسول الله حقًّا دعا إلى حقٍّ، ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ أي: ظاهر لمن كان له لُبٌّ وقلبٌ يعقل به ويَعِي به؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ [التكوير: 22].

الآية (185): أولم ينظر هؤلاء المكذبون بآياتنا في مُلك الله وسلطانه في السموات والأرض، وفيما خلق من شيء فيهما، فيتدبَّروا ذلك ويعتبروا به، فيؤمنوا به، ويصدِّقوا رسوله، ويُنيبوا إلى طاعته، ويخلعوا الأنداد والأوثان، ويحذروا أن تكون آجالهم قد اقتربت، فيهلكوا على كفرهم، ويصيروا إلى عذاب الله وأليم عقابه.

وقوله: ﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ؟! يقول: فبأي تخويف وتحذير وترهيب -بعد تحذير محمد وترهيبه، الذي أتاهم به من عند الله في آي كتابه- يُصَدِّقُون، إن لم يُصدِّقوا بهذا الحديث الذي جاءهم به محمد من عند الله عز وجل؟!

الآية (186): يقول تعالى: مَن كُتِب عليه الضلالة فإنه لا يهديه أحد، ولو نظر لنفسه فيما نظر، فإنه لا يجزي عنه شيئًا؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ [يونس:101].

الآية (187): يقول تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ ، قيل: نَزَلَت في قريش. وقيل: في نفر من اليهود. والأول أشبَه؛ لأن الآية مكية، فكانوا يسألون عن وقت الساعة استبعادًا لوقوعها، وتكذيبًا بوجودها. وقوله: ﴿ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قال ابن عباس: «منتهاها» أي: متى مَحَطُّهَا؟ وأيَّان آخر مدة الدنيا الذي هو أول وقت الساعة؟ ﴿ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي ۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ : أَمَرَ تعالى نبيه إذا سُئِل عن وقت الساعة أن يَرُدَّ علمها إلى الله تعالى؛ فإنه هو الذي يُجَلِّيها لوقتها، أي: يعلم جَلِيَّةَ أَمْرِهَا، ومتى يكون على التحديد، لا يعلم ذلك إلا هو تعالى؛ ولهذا قال: ﴿ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قال قتادة: ثَقُلَ علمها على أهل السموات والأرض إنهم لا يعلمون، يقول: كَبُرَت عليهم. وعن ابن عباس قال: ليس شيء من الخلق إلا يصيبه من ضرر يوم القيامة. واختار ابن جرير رحمه الله-: أن المراد: ثَقُلَ عِلْم وقتها على أهل السموات والأرض، كما قال قتادة. وهو كما قالاه؛ لقوله تعالى: ﴿ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً ، ولا ينفي ذلك ثِقَل مجيئها على أهل السموات والأرض، والله أعلم. وقال السُّدي: يقول: خفيَت في السموات والأرض، فلا يعلم قيامها حين تقوم ملَكٌ مُقَرَّب، ولا نبي مرسل. ﴿ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً قال: يبغتهم قيامها؛ تأتيهم على غفلة. وقوله: ﴿ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قال ابن عباس: كأن بينك وبينهم مودة، كأنك صديق لهم. وقال: كأنهم يرون أن محمدًا حَفِيٌّ بهم. وقال الضحاك، عن ابن عباس: كأنك عالم بها. وهذا القول أرجح في المعنى من الأول، والله أعلم؛ ولهذا قال: ﴿ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ .