الآية (18-19): يخبر تعالى أنه ما كلُّ مَنْ طلب الدنيا وما فيها من النعيم يحصل له، بل إنما يحصل لمن أراد الله وما يشاء. وهذه مقيدة لإطلاق ما سواها من الآيات؛ فإنه قال: ﴿ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا ﴾ أي: في الآخرة ﴿ يَصْلَاهَا ﴾ أي: يدخلها حتى تغمره من جميع جوانبه ﴿ مَذْمُومًا ﴾ أي: في حال كونه مذمومًا على سوء تصرفه وصنيعه، إذ اختار الفاني على الباقي ﴿ مَدْحُورًا ﴾ مُبعَدًا مقصِيًّا حقيرًا ذليلًا مهانًا. قوله: ﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ ﴾ أي: أراد الدار الآخرة وما فيها من النعيم والسرور ﴿ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا ﴾ أي: طلب ذلك من طريقه وهو متابعة الرسول ﴿ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾ أي: مصدق بالثواب والجزاء ﴿ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ﴾.
الآية (20): يقول تعالى: ﴿ كُلًّا ﴾ أي: كل واحد من الفريقين الذين أرادوا الدنيا والذين أرادوا الآخرة، نمدهم فيما هم فيه ﴿ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ﴾ أي: هو المتصرف الحاكم الذي لا يجور، فيعطي كلًا ما يستحقه من الشقاوة والسعادة، فلا راد لحكمه ولا مانع لما أعطى، ولا مغير لما أراد؛ ولهذا قال: ﴿ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ﴾ أي: لا يمنعه أحد ولا يردّه رادّ. قال قتادة: ﴿ مَحْظُورًا ﴾ أي: منقوصًا. وقال الحسن: ممنوعًا.
الآية (21): قال تعالى: ﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ﴾ أي: في الدنيا، فمنهم الغني والفقير وبين ذلك، والحسن والقبيح وبين ذلك، ومن يموت صغيرًا، ومن يعمر حتى يبقى شيخًا كبيرًا، وبين ذلك. قوله: ﴿ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا ﴾ أي: ولَتَفَاوتُهم في الدار الآخرة أكبرُ من الدنيا؛ فإن منهم مَن يكون في الدركات في جهنم وسلاسلها وأغلالها، ومنهم من يكون في الدرجات العُلَى ونعيمها وسرورها، ثم أهل الدركات يتفاوتون فيما هم فيه، كما أن أهل الدرجات يتفاوتون؛ فإن الجنة مائة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض. وفي الصحيحين: «إن أهل الدرجات العلى ليرونَ أهل عَلِّيِّين، كما ترون الكوكب الغابرَ في أُفُق السماء»؛ ولهذا قال: ﴿ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا ﴾.
الآية (22): يقول تعالى -والمراد المكلفون من الأمة-: لا تجعل أيها المكلف في عبادتك ربك له شريكًا ﴿ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا ﴾ على إشراكك به ﴿ مَخْذُولًا ﴾ لأن الرب تعالى لا ينصرك، بل يَكِلُكَ إلى الذي عبدت معه، وهو لا يملك لك ضرًا ولا نفعًا؛ لأن مالك الضر والنفع هو الله وحده لا شريك له. عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تُسَدَّ فاقتُه، ومن أنزلها بالله أرسل الله له بالغِنَى، إما آجلًا وإما عاجلًا» [رواه أحمد وأبو داود، وصحح إسناده أحمد شاكر].
الآية (23-24): يقول تعالى آمرًا بعبادته وحده لا شريك له؛ فإن القضاء ههنا بمعنى الأمر. قال مجاهد: ﴿ وَقَضَىٰ ﴾ يعني: وصى، ولهذا قرن بعبادته بر الوالدين فقال: ﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ أي: وأمر بالوالدين إحسانًا؛ كما قال في الآية الأخرى: ﴿ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴾ [لقمان:14]. قوله: ﴿ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ ﴾ أي: لا تُسْمِعْهُما قولًا سيئًا، حتى ولا التأفيف الذي هو أدنى مراتب القول السيئ ﴿ وَلَا تَنْهَرْهُمَا ﴾ أي: ولا يصدُرْ منك إليهما فعلٌ قبيحٌ. قال عطاء: لا تنفضْ يدك عليهما. ولما نهاه عن القول القبيح والفعل القبيح أمره بالقول الحسن والفعل الحسن، فقال: ﴿ وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ﴾ أي: لينًا طيبًا حسنًا بتأدب وتوقير وتعظيم. قوله: ﴿ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ ﴾ أي: تواضعْ لهما بفعلك ﴿ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا ﴾ أي: في كِبرهما وعند وفاتهما ﴿ كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴾. قال ابن عباس: ثم أنزل الله: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ ﴾ [التوبة:113]. عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «رَغِمَ أنفُ، ثم رَغِمُ أنفُ، ثم رَغِمُ أنفُ رجلٍ أدرك والديه أحدهما أو كلاهما عند الكبر ولم يدخل الجنة» [رواه مسلم].
الآية (25): قال سعيد بن جبير: هو الرجل تكون منه البادرة إلى أبويه، وفي نيته وقلبه أنه لا يؤخذ به -وفي رواية: لا يريد إلا الخير بذلك- فقال: ﴿ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ ۚ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ ﴾. قوله: ﴿ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا ﴾ قال قتادة: للمطيعين أهل الصلاة. وعن ابن عباس: المسبحين. وفي رواية عنه: المطيعين المحسنين. وقال بعضهم: هم الذين يصلون الضحى. وقال سعيد بن المسيب: الذين يصيبون الذنب ثم الذنب ثم يتوبون، ويصيبون الذنب ثم يتوبون. وقال عطاء بن يسار: هم الراجعون إلى الخير. قال ابن جرير: والأولى في ذلك قول من قال: هو التائب من الذنب، الراجع عن المعصية إلى الطاعة، مما يكره الله إلى ما يحبه ويرضاه. وهذا الذي قاله هو الصواب؛ لأن الأواب مشتق من الأوب، وهو الرجوع.
الآية (26-27): لما ذكر تعالى بر الوالدين عطف بذكر الإحسان إلى القرابة وصلة الأرحام، وفي الحديث: «من أحب أن يُبسط له في رزقه ويُنسأ له في أجله، فليصل رحمه» [متفق عليه]. قوله: ﴿ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ﴾ لما أمر بالإنفاق نهى عن الإسراف فيه، بل يكون وسطًا؛ كما قال في الآية الأخرى: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا ﴾ [الفرقان:67]. ثم قال منفرًا عن التبذير والسرف: ﴿ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ﴾ أي: أشباههم في ذلك. قال ابن مسعود: التبذير: الإنفاق في غير حق. وقال مجاهد: لو أنفق إنسان ماله كله في الحق لم يكن مبذرًا، ولو أنفق مُدًّا في غير حقه كان مبذرًا. قال قتادة: التبذير: النفقة في معصية الله تعالى، وفي غير الحق، والفساد.
وقوله: ﴿ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ۖ ﴾ أي: في التبذير والسفه وترك طاعة الله وارتكاب معصيته؛ ولهذا قال: ﴿ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا ﴾ أي: جَحُودًا؛ لأنه أنكر نعمة الله عليه ولم يعمل بطاعته؛ بل أقبل على معصيته ومخالفته.