الآية (19): هذا تمام لجملة وَصْف المؤمنين بالله ورسله بأنهم صِدِّيقون. قال ابن عباس: قوله: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ ﴾ هذه مفصولة ﴿ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ﴾. وقال أبو الضحى: ﴿ أُولَٰئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ ﴾ ثم استأنف الكلام فقال: ﴿ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾. وهكذا قال مسروق والضحاك ومقاتل بن حيان وغيرهم. وعن عبد الله[1] في قوله: ﴿ أُولَٰئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ ۖ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ قال: هم ثلاثة أصناف: يعني الـمُصَّدِّقِين، والصِّدِّيقين، والشهداء؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ﴾ [النساء:69]، ففرَّق بين الصِّدِّيقين والشهداء، فدَلَّ على أنهما صنفان. ولا شكَّ أن الصِّدِّيقِ أعلى مَقامًا من الشهيد.
وقال آخرون: بل المراد من قوله: ﴿ أُولَٰئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ ۖ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ فأَخْبَر عن المؤمنين بالله ورسله، بأنهم صديقون وشهداء. حكاه ابن جرير عن مجاهد. وقال عمرو بن ميمون في قوله: ﴿ أُولَٰئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ ۖ وَالشُّهَدَاءُ ﴾ قال: يجيؤون يوم القيامة معًا كالإصبعين.
وقوله: ﴿ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ أي: في جنات النعيم؛ كما جاء في الصحيحين: «إن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع عليهم ربك اطلاعة فقال: ماذا تريدون؟ فقالوا: نحب أن تردنا إلى الدار الدنيا فنقاتل فيك فنقتل كما قتلنا أول مرة. فقال إني قضيت أنهم إليها لا يرجعون».
وقوله: ﴿ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ﴾ أي: لهم عند ربهم أجر جزيل ونور عظيم يسعى بين أيديهم، وهم في ذلك يتفاوتون بحسب ما كانوا في الدار الدنيا من الأعمال.
وقوله: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ﴾ لَـمَّا ذَكَر السعداء ومآلهم؛ عَطَف بذِكْر الأشقياء وبيَّن حالهم.
الآية (20-21): يقول تعالى مُوهنًا أمْرَ الحياة الدنيا ومُحَقِّرًا لها: ﴿ أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ﴾ أي: إنما حَاصِل أَمْرها عند أهلها هذا؛ كما قال: ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ﴾ [آل عمران: 14].
ثم ضَرَب تعالى مثل الحياة الدنيا في أنها زهرة فانية ونعمة زائلة فقال: ﴿ كَمَثَلِ غَيْثٍ ﴾ وهو: المطر الذي يأتي بعد قنوط الناس، ﴿ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ﴾ أي: يُعْجِب الزُّرَّاع نباتُ ذلك الزرع الذي نَبَتَ بالغيث؛ وكما يُعْجِب الزُّرَّاع ذلك، كذلك تُعْجِب الحياةُ الدنيا الكفارَ، فإنهم أَحْرَصُ شيء عليها، وأَمْيَلُ الناس إليها، ﴿ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ﴾ أي: يَهيج ذلك الزرع فتراه مُصْفَرًّا بعدما كان خَضِرًا نَضِرًا، ثم يكون بعد ذلك كلِّه حُطَامًا، أي: يصير يَبَسًا مُتَحَطِّمًا، هكذا الحياة الدنيا: تكون أوَّلًا شابةً، ثم تَكْتَهِل، ثم تكون عجوزًا شَوْهَاء، والإنسان كذلك في أوَّل عمره وعُنْفُوَان شبابه غَضًّا طَرِيًّا لَيِّنَ الأعطاف، بَهِيَّ المنظر، ثم إنه يَشْرَع في الكهولة فتَتَغَيَّر طِبَاعه ويَفقِد بعض قواه، ثم يَكْبر فيصير شيخًا كبيرًا، ضعيف القوى، قليل الحركة، يُعْجِزُه الشيء اليسير.
ولَـمَّا كان هذا المثل دالًّا على زوال الدنيا وانقضائها وفراغها لا محالة، وأن الآخرة كائنة لا محالة؛ حَذَّر من أمرها ورغَّب فيما فيها من الخير، فقال: ﴿ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ أي: وليس في الآخرة الآتية القريبة إلا إما هذا وإما هذا: إما عذاب شديد، وإما مغفرة من الله ورضوان.
وقوله: ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ أي: هي متاع فانٍ غارٌّ لمن رَكَن إليه؛ فإنه يَغْتَرُّ بها وتُعْجِبُه حتى يَعْتَقِدَ أنه لا دار سِوَاها ولا مَعَاد وراءها، وهي حقيرة قليلة بالنسبة إلى الدار الآخرة.
﴿ سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾ والمراد جنس السماء والأرض؛ كما قال في الآية الأخرى: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [آل عمران: 133]. ﴿ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾ أي: هذا الذي أَهَّلَهم الله له هو من فَضْله ومَنِّهِ عليهم وإحسانه إليهم.
الآية (22-24): يُخْبِر تعالى عن قَدَره السَّابق في خَلْقه قبل أن يَبْرَأَ البَريَّة، فقال: ﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ ﴾ أي: في الآفاق وفي نفوسكم ﴿ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا ﴾ أي: من قبل أن نَخْلُقَ الخليقة ونَبْرَأَ النَّسَمَة. وقال بعضهم: ﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا ﴾ عائد على النفوس. وقيل: عائد على المصيبة. والأحسن عَوْده على الخليقة والبرية؛ لدلالة الكلام عليها، وقال قتادة: ﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ ﴾ قال: هي السُّنون. يعني: الـجَدْب، ﴿ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ ﴾ يقول: الأوجاع والأمراض. قال: وبَلَغَنَا أنه ليس أحد يُصِيبُه خَدْش عُود ولا نَكْبَة قَدَم، ولا خَلَجَان عِرْق إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر. وهذه الآية الكريمة من أَدَلِّ دليل على القَدَرية نُفَاة العِلْم السابق، قَبَّحَهم الله. وعن عبد الله بن عَمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قَدَّر الله المقادير قبل أن يَخْلُقَ السموات والأرض بخمسين ألف سنة» [رواه مسلم].
وقوله: ﴿ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ أي: إن عِلْمَه تعالى الأشياء قبل كونها، وكتابته لها طِبْقَ ما يُوجَد في حينها سهل على الله عز وجل ؛ لأنه يعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون.
وقوله: ﴿ لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ﴾ أي: أعلمناكم بتَقَدُّم عِلْمِنا وسَبْق كِتَابتنا للأشياء قبل كونها، وتقديرنا الكائنات قبل وجودها، لتَعْلَموا أن ما أصابكم لم يكن ليُخْطِئَكم، وما أخطأكم لم يكن لِيُصِيبَكُم، فلا تأسوا على ما فاتكم؛ لأنه لو قُدِّرَ شيء لكان، ﴿ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ﴾ أي: أعطاكم. ويُقْرأ: «أتاكُم» أي: جاءكم، وكلاهما متلازمان، أي: لا تَفْخَروا على الناس بما أَنْعم الله به عليكم؛ فإن ذلك ليس بسعيكم ولا كَدِّكم، وإنما هو عن قَدَر الله ورزقه لكم، فلا تَتَّخِذوا نِعَمَ الله أَشَرًا وبَطَرًا، تَفْخَرون بها على الناس؛ ولهذا قال: ﴿ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾ أي: مختال في نفسه مُتَكَبِّر، فخور، أي: على غيره.
وقال عكرمة: ليس أحد إلا وهو يفرح ويحزن، ولكن اجعلوا الفَرَحَ شُكْرًا والـحُزْن صَبْرًا.
ثم قال: ﴿ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ ﴾ أي: يفعلون المنكر ويَحُضُّون الناس عليه، ﴿ وَمَنْ يَتَوَلَّ ﴾ أي: عن أَمْر الله وطاعته ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾.