الآية (196-198): أي: الله حسبي وكافيني، وهو نصيري، وعليه مُتَّكَلِي، وإليه ألجأ، وهو وليي في الدنيا والآخرة، وهو ولي كل صالح بعدي، وهذا كقول الخليل: ﴿ قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ﴿٧٥﴾ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ ﴿٧٦﴾ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ ﴿٧٧﴾ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ﴾ [الشعراء: 75 - 78].
وقوله: ﴿ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ﴾ إلى آخر الآية، مؤكد لِـمَا تقدَّم، إلا أنه بصيغة الخطاب، وذلك بصيغة الغَيْبَة؛ ولهذا قال: ﴿ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ ﴾.
وقوله: ﴿ وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَىٰ لَا يَسْمَعُوا ۖ وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ﴾ كقوله تعالى: ﴿ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ ﴾ [فاطر:14].
وقوله: ﴿ وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ﴾ إنما قال: ﴿ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ ﴾ أي: يقابلونك بعيون مصورة كأنها ناظرة، وهي جماد؛ ولهذا عاملهم معاملة من يعقل؛ لأنها على صور مصورة كالإنسان، فقال: ﴿ وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ ﴾ فعَبَّر عنها بضمير من يعقل. وقال السُّدي: المراد بهذا المشركون، والأول أولى، وهو اختيار الطبري.
الآية (199-200): ﴿ خُذِ الْعَفْوَ ﴾ قال ابن عباس: يعني: خذ ما عفا لك من أموالهم، وما أتوك به من شيء فَخُذْه. وكان هذا قبل أن تنزل «براءة» بفرائض الصدقات. قاله السُّدي. وعن ابن عباس: أَنْفِق الفضل. وقال ابن أسلم: أمره الله بالعفو والصفح عن المشركين عشر سنين، ثم أمره بالغلظة عليهم. واختار هذا القول ابن جرير. وعن مجاهد: ﴿ الْعَفْوَ ﴾ من أخلاق الناس وأعمالهم من غير تحسس. وقال عُرْوة: أَمَر الله رسوله ﷺ أن يأخذ العفو من أخلاق الناس. وعن عبد الله بن الزبير قال: إنما أنزل: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ ﴾ من أخلاق الناس [رواه البخاري] وهذا أشهر الأقوال. وقال البخاري: «العُرف»: المعروف. وقال ابن جرير: وقد أمر الله نبيه ﷺ أن يأمر عباده بالمعروف، ويدخل في ذلك جميع الطاعات، وبالإعراض عن الجاهلين، وذلك وإن كان أمرًا لنبيه ﷺ، فإنه تأديب لخلقه باحتمال مَن ظلمَهم واعتدى عليهم، لا بالإعراض عمن جهل الحق الواجب من حق الله، ولا بالصفح عمن كفر بالله وجهل وحدانيته، وهو للمسلمين حرب. ﴿ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ ﴾ يُرشِد تعالى إلى الاستعاذة به من شيطان الجانِّ؛ فإنه لا يكفيه منك الإحسان، وإنما يريد هلاكك ودمارك بالكلية؛ فإنه عدو مبين لك ولأبيك من قبلك. قال ابن جرير: وإما يُغْضبَنَّك من الشيطان غضب يصدك عن الإعراض عن الجاهل، ويحملك على مجازاته ﴿ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ﴾، يقول: فاستجِرْ بالله مِن نزْغِه. ﴿ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾: ﴿ سَمِيعٌ ﴾ لجهل الجاهل عليك، والاستعاذة به مِن نزْغِه، ولغير ذلك من كلام خلقه، لا يخفى عليه منه شيء، ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بما يُذهب عنك نزغ الشيطان، وغير ذلك من أمور خلقه. وأصل «النزغ»: الفساد، إما بالغضب أو غيره؛ قال الله تعالى: ﴿ وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ ﴾ [الإسراء:53]. و«العياذ»: الالتجاء والاستناد والاستجارة من الشر.
الآية (201-202): يخبر تعالى عن المتقين من عباده الذين أطاعوه فيما أمَر، وتركوا ما عنه زجَر، أنهم ﴿ إِذَا مَسَّهُمْ ﴾ أي: أصابهم ﴿ طَائِفٌ ﴾: منهم من فَسَّر ذلك بالغضب، ومنهم من فسَّره بمسّ الشيطان بالصرع ونحوه، ومنهم من فسَّره بالهمِّ بالذنب، ومنهم من فسَّره بإصابة الذنب. وقوله: ﴿ تَذَكَّرُوا ﴾ أي: عقابَ الله وجزيلَ ثوابه، ووعده ووعيده، فتابوا وأنابوا، واستعاذوا بالله ورجعوا إليه من قريب. ﴿ فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ﴾ أي: قد استقاموا وصحوا ممّا كانوا فيه.
وقوله: ﴿ وَإِخْوَانُهُمْ ﴾ أي: وإخوان الشياطين من الإنس، وهم أتباعهم والمستمعون لهم القابلون لأوامرهم. ﴿ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ﴾ أي: تساعدهم الشياطين على المعاصي، وتُسهِّلها عليهم، وتُحَسِّنُها لهم. قال ابن كثير: المدّ: الزيادة؛ يعني: يزيدونهم في الغَيّ، يعني: الجهل والسَّفَه. ﴿ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ ﴾ قيل: معناه إن الشياطين تمدُّ الإنس لا تُقْصِرُ في أعمالهم بذلك. كما قال ابن عباس: لا الإنس يُقْصِرُون عمَّا يعملون، ولا الشياطين تُمْسِكُ عنهم.
الآية (203): قال ابن عباس في قوله: ﴿ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا ﴾ يقول: لولا تلقيتها. وقال مرة أخرى: لولا أَحدَثْتَها فأنشأْتَها. وقال مجاهد: لولا اقتضيْتَها، قالوا: تُخرجها من نفسك واختاره ابن جرير. ﴿ وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ ﴾ أي: معجزة وخارق، يقولون للرسول ﷺ: ألا تُجهد نفسك في طلب الآيات من الله حتى نراها ونؤمن بها؟! قال تعالى له: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ مِنْ رَبِّي ﴾ أي: أنا لا أَتَقَدَّم إليه تعالى في شيء، وإنما أتَّبِع ما أمرني به، فأمتثل ما يوحيه إليَّ، فإن بَعَث آية قَبِلْتُها، وإن مَنَعَها لم أَسْأَلْه ابتداءً إياها؛ إلا أن يأذن لي في ذلك فإنه حكيم عليم. ثم أرشدهم إلى أن هذا القرآن هو أعظم المعجزات، وأبيَن الدلالات، وأصدق الحجج والبينات، فقال: ﴿ هَٰذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾.
الآية (204): لَـمَّا ذَكَر تعالى أن القرآن بصائر للناس وهدًى ورحمة، أمر تعالى بالإنصات عند تلاوته إعظامًا له واحترامًا، لا كما كان يعتمده كفار قريش المشركون في قولهم: ﴿ لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ ﴾ [فصلت:26]، ولكن يتأكَّد ذلك في الصلاة المكتوبة إذا جَهَر الإمام بالقراءة كما في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي موسى:«وإذا قرأ فأنصتوا». وعن مجاهد قال: في الصلاة والخطبة يوم الجمعة.
الآية (205-206): يأمر تعالى بذِكره أول النهار وآخره كثيرًا، كما أَمَر بعبادته في هذين الوقتين في قوله: ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ ﴾ [ق:39]. وقد كان هذا قبل أن تفرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء، وهذه الآية مكية. وقال ههنا: ﴿ بِالْغُدُوِّ ﴾ وهو أوائل النهار، ﴿ وَالْآصَالِ ﴾ جمع أصيل. ﴿ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً ﴾ أي: اذكر ربك في نفسك رغبةً ورهبةً، وبالقول لا جهرًا؛ ولهذا قال: ﴿ وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ ﴾. وهكذا يُسْتَحَبُّ ألَّا يكون الذكر نداءً وجهرًا بليغًا. وقد يكون المراد كما في قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا ﴾ [الإسراء:110] يتَّخذ سبيلًا بين الجهر والإسرار. ﴿ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ ﴾ والمراد الحض على كثرة الذكر من العباد بالغدو والآصال؛ لئلا يكونوا من الغافلين، ولهذا مدح الملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون، فقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ ﴾ الآية، وإنما ذَكَرهم بهذا ليُقتدَى بهم في كثرة طاعتهم وعبادتهم.