الآية (23-25): ثم بَيَّن تعالى أن مقالةَ هؤلاء قد سَبَقَهم إليها أشباههم ونظراؤهم من الأمم السالفة المكذِّبة للرُّسُل، تشابهت قلوبهم، فقالوا مثل مقالتهم: ﴿ كَذَٰلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ﴿٥٢﴾ أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ ﴾ [الذاريات:52-53].
وهكذا قال ههنا: ﴿ وَكَذَٰلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ﴾[1] أي: يا محمد لهؤلاء المشركين: ﴿ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ ۖ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ﴾ أي: ولو عَلِمُوا وتَيَقَّنُوا صحةَ ما جِئتَهم به، لَـمَا انقادوا لذلك بسوء قصدهم ومكابرتهم للحقِّ وأهله.
قال الله تعالى: ﴿ فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ ﴾ أي: من الأمم المكذِّبة بأنواع من العذاب، كما فَصَّلَه تعالى في قصصهم.
﴿ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾ أي: كيف بادوا وهَلَكوا، وكيف نجَّى الله المؤمنين؟!
الآية (26-33): يقول تعالى مُخْبِرًا عن عبده ورسوله وخليله إمام الحنفاء، ووالد من بُعِثَ بعده من الأنبياء، الذي تَنْتَسِبُ إليه قريش في نَسَبِها ومذهبها: أنه تَبَرَّأَ من أبيه وقومه في عبادتهم الأوثان، فقال: ﴿ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ ﴿٢٦﴾ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ ﴿٢٧﴾ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ أي: هذه الكلمة، وهي عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، وخَلْع ما سواه من الأوثان، وهي «لا إله إلا الله»، أي: جعلها دائمة في ذُرِّيَّته يَقْتَدِي به فيها من هداه الله من ذرية إبراهيم عليه السلام.
﴿ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ أي: إليها. وقال عكرمة ومجاهد وقتادة، وغيرهم في قوله عز وجل: ﴿ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ ﴾ يعني: لا إله إلا الله، لا يزال في ذُرِّيَّته من يقولها. ورُوي نحوه عن ابن عباس. وقال ابن زيد: كلمة الإسلام. وهو يرجع إلى ما قاله الجماعة.
ثم قال تعالى: ﴿ بَلْ مَتَّعْتُ هَٰؤُلَاءِ ﴾ يعني: المشركين، ﴿ وَآبَاءَهُمْ ﴾ أي: فتَطَاول عليهم العمر في ضلالهم.
﴿ حَتَّىٰ جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ ﴾ أي: بيِّن الرسالة والنذارة.
﴿ وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَٰذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ ﴾ أي: كابروه وعاندوه ودفعوا بِالصُّدُورِ والرَّاحِ[2] كفرًا وحَسَدًا وبَغيًا؛ ﴿ وَقَالُوا ﴾ -أي: كالمعترضين على الذي أَنْزَلَه تعالى وتقدَّس-: ﴿ لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ أي: هلَّا كان إنزال هذا القرآن على رجل عظيم كبير في أعينهم من القريتين؟! يعنون مكة والطائف. قاله ابن عباس وعكرمة ومحمد بن كعب القرظي وقتادة.
وقد ذَكَر غير واحد -منهم قتادة-: أنهم أرادوا بذلك الوليد بن المغيرة وعروة بن مسعود الثقفي. وقال زيد بن أسلم والضحاك والسُّدِّي: يعنون الوليد بن المغيرة ومسعود بن عمرو الثقفي. وعن مجاهد: عمير بن عمرو بن مسعود الثقفي. وعنه أيضًا: أنهم يعنون الوليد بن المغيرة وحبيب بن عمرو بن عمير الثقفي. وعن مجاهد: يعنون عتبة بن ربيعة بمكة وابن عبد ياليل بالطائف. وقال السُّدِّي: عنوا الوليد بن المغيرة، وكنانة بن عمرو بن عمير الثقفي.
والظاهر: أن مرادهم رجل كبير من أي البلدتين كان.
قال الله تعالى رادًّا عليهم في هذا الاعتراض: ﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ﴾؟! أي: ليس الأمر مردودًا إليهم، بل إلى الله عز وجل ، والله أعلم حيث يجعل رسالاته؛ فإنه لا يُنْزِلُـها إلا على أزكى الخلق قلبًا ونفسًا، وأشرفهم بيتًا، وأطهرهم أصلًا.
ثم قال تعالى مبينًا أنه قد فاوت بين خَلْقِه فيما أعطاهم من الأموال والأرزاق والعقول والفهوم، وغير ذلك من القوى الظاهرة والباطنة، فقال: ﴿ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ ﴾.
وقوله: ﴿ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا ﴾ قيل: معناه: ليُسَخِّرَ بعضهم بعضًا في الأعمال، لاحتياج هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا، قاله السُّدِّي وغيره. وقال قتادة، والضحاك: ليمْلِكَ بعضهم بعضًا. وهو راجع إلى الأوَّل.
ثم قال: ﴿ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ أي: رحمة الله بخلقه خير لهم ممَّا بأيديهم من الأموال ومتاع الحياة الدنيا.
ثم قال تعالى: ﴿ وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ أي: لولا أن يعتقد كثير من الناس الجهلة أن إعطاءنا المال دليل على محبتنا لمن أعطيناه، فيجتمعوا على الكفر لأجل المال؛ هذا معنى قول ابن عباس والحسن وقتادة والسُّدِّي وغيرهم.
﴿ لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ ﴾ أي: سلالم ودَرَجًا من فِضَّة، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم.
﴿ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ ﴾ أي: يصعدون.