حجم الخط:

الآيات (25-29)

الآية (25): لما ذكر تعالى ما أعده لأعدائه من العذاب والنكال، عَطف بذكر حال أوليائه من السعداء المؤمنين به وبرسله، الذين صَدَّقوا إيمانهم بأعمالهم الصالحة. وهذا معنى تسمية القرآن «مثاني» على أصح أقوال العلماء، وهو أن يذكر الإيمان ويُتبعه بذكر الكفر، أو عكسه، أو حال السعداء ثم الأشقياء، أو عكسه، وحاصله: ذكر الشيء ومقابله؛ فلهذا قال تعالى: ﴿ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾، فوصفها بأنها تجري من تحتها الأنهار، كما وصف النار بأن وقودها الناس والحجارة، ومعنى ﴿ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ ﴾ أي: من تحت أشجارها وغُرفها. وقوله تعالى: ﴿ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا ۙ قَالُوا هَٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ ﴾ معناه: مثل الذي كان بالأمس، ﴿ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا ﴾ يعني: في اللون والمرأى، وليس يشتبه في الطعم. وقوله: ﴿ وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ ﴾ قال ابن عباس: مطهرة من القذر والأذى. وقوله تعالى: ﴿ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ هذا هو تمام السعادة؛ فإنهم مع هذا النعيم في مقام أمين من الموت والانقطاع، فلا آخر له ولا انقضاء، بل في نعيم سرمديٍّ أبديٍّ على الدوام.

الآية (26-27): معنى الآية: أنه تعالى أخبر أنه ﴿ لَا يَسْتَحْيِي ﴾ أي: لا يستنكف، وقيل: لا يخشى ﴿ أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا ﴾ أي: أيّ مثل كان.

وقوله: ﴿ بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ﴾ فيه قولان: أحدهما: فما دونها في الصغر والحقارة، كما إذا وصف رجل باللؤم والشح، فيقول السامع: نعم، وهو فوق ذلك، يعني: فيما وصفت. والثاني: ﴿ فَمَا فَوْقَهَا ﴾: فما هو أكبر منها؛ لأنه ليس شيء أحقر ولا أصغر من البعوضة. وهذا اختيار ابن جرير.

﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ﴾ قال قتادة: أي: يعلمون أنه كلام الرحمن، وأنه من عند الله. ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًا ﴾ كما قال: ﴿ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًا ۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾ [المدثر:31]، وكذلك قال ههنا: ﴿ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ﴾. قال ابن مسعود وغيره: ﴿ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ﴾ يعني: المنافقين ﴿ وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ﴾ يعني: المؤمنين، فيزيد هؤلاء ضلالة إلى ضلالهم؛ لتكذيبهم بما علموه حقًا يقينًا من المثل الذي ضربه الله لـِما ضربه له، وأنه لما ضربه له موافق، فذلك إضلال الله إياهم به، ﴿ وَيَهْدِي بِهِ ﴾ يعني بالمثل ﴿ كَثِيرًا ﴾ من أهل الإيمان والتصديق، فيزيدهم هدى إلى هداهم وإيمانًا إلى إيمانهم؛ لتصديقهم بما قد علموه حقًا يقينًا أنه موافق ما ضربه الله له مثلًا وإقرارهم به، وذلك هداية من الله لهم به. ﴿ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ ﴾ الفاسق في اللغة: هو الخارج عن الطاعة. فالفاسق يشمل الكافر والعاصي، ولكنَّ فِسْق الكافر أشد وأفحَش، والمراد من الآية الفاسق الكافر، بدليل أنه وصفهم بقوله: ﴿ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾، وهذه الصفات صفات الكفار المباينة لصفات المؤمنين، كما قال تعالى في سورة الرعد: ﴿ أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ ۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴿١٩﴾ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ ﴿٢٠﴾ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ ﴾ الآيات، إلى أن قال: ﴿ وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ۙ أُولَٰئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ﴾ [الرعد: 19-25].وقد اختلف أهل التفسير في معنى العهد، فقال بعضهم: هي في كفار أهل الكتاب والمنافقين منهم، وعهد الله الذي نقضوه: هو ما أخذه الله عليهم في التوراة من العمل بما فيها واتباع محمد ﷺ إذا بُعث والتصديق به، وبما جاء به من عند ربهم، ونقضهم ذلك: هو جحودهم به بعد معرفتهم بحقيقته وإنكارهم ذلك، وكتمانهم علم ذلك عن الناس بعد إعطائهم اللهَ من أنفسهم الميثاق لَيُبَيّنُنَّهُ للناس ولا يكتمونه، فأخبر تعالى أنهم نبذوه وراء ظهورهم، واشتروا به ثمنًا قليلا. وهذا اختيار ابن جرير. وقال آخرون: بل عنى بهذه الآية جميع أهل الكفر والشرك والنفاق، وعهده إلى جميعهم في توحيده: ما وضع لهم من الأدلة الدالة على ربوبيته، وعهده إليهم في أمره ونهيه ما احتج به لرسله من المعجزات التي لا يقدر أحد من الناس غيرهم أن يأتي بمُثُله الشاهدة لهم على صدقهم، قالوا: ونقضهم ذلك: تركهم الإقرار بما ثبتت لهم صحته بالأدلة وتكذيبهم الرسل والكتب مع علمهم أن ما أتوا به حق، وهو حسن. وقال آخرون: العهد الذي ذكره تعالى هو العهد الذي أخذه عليهم حين أخرجهم من صلب آدم الذي وصف في قوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ ﴾ الآيتين [الأعراف:172، 173] ونقضهم ذلك: تركهم الوفاء به.

وقوله: ﴿ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ﴾ قيل: المراد به صلة الأرحام والقرابات كما فسره قتادة كقوله تعالى: ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ﴾ [محمد: 22]، وقيل: المراد أعَمّ من ذلك؛ فكل ما أمر الله بوصله وفعله قطعوه وتركوه. وقال مقاتل بن حيان في قوله: ﴿ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ قال: في الآخرة. وهذا كما قال تعالى: ﴿ أُولَٰئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ﴾ [الرعد: 25]. وقال ابن جرير: ﴿ الْخَاسِرُونَ ﴾: جمع خاسر، وهم الناقصون أنفسهم حظوظهم بمعصيتهم الله من رحمته، كما يخسر الرجل المال في تجارته بأن يوضع من رأس المال في بيعه، وكذلك المنافق والكافر خسر بحرمان الله إياه رحمته التي خلقها لعباده في القيامة، أحوج ما كانوا إلى رحمته.

الآية (28): يقول تعالى محتجًّا على وجوده وقدرته، وأنه الخالق المتصرف في عباده: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ﴾ أي: كيف تجحدون وجوده أو تعبدون معه غيره؟! ﴿ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ﴾ أي: قد كنتم عدَمًا فأخرجكم إلى الوجود. وقال ابن عباس: أمواتًا في أصلاب آبائكم، لم تكونوا شيئًا حتى خلقكم، ثم يميتكم موتة الحق، ثم يحييكم حين يبعثكم قال: وهي مثل قوله: ﴿ رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ ﴾ [غافر: 11].

الآية (29): لما ذكر تعالى دلالةً مِنْ خَلْقهم وما يشاهدونه من أنفسهم، ذكر دليلًا آخر مما يشاهدونه مِنْ خَلْق السموات والأرض، فقال: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ ﴾ أي: قصد إلى السماء، والاستواء ههنا مُضَمَّن معنى القصد والإقبال؛ لأنه عُدّي بـ(إلى)، ﴿ فَسَوَّاهُنَّ ﴾ أي: فخلق السماء سبعًا. ﴿ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ أي: وعِلمه محيط بجميع ما خلق، كما قال: ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ ﴾ [الملك:14].