الآية (28-29): ﴿ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمْ ﴾ وذلك لِـمَا فيه من التَّصَرُّف في مِلْك الغير بغير إذنه، فإن شاء أَذِنَ، وإن شاء لم يَأْذَن، ﴿ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ ﴾ أي: إذا رَدُّوكم من الباب قبلَ الإذن أو بعده ﴿ فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ ﴾ أي: رجوعكم أزكى لكم وأطهر، وقال سعيد بن جبير: أي: لا تقفوا على أبواب الناس. ﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾.
وقوله: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ ﴾ هذه الآية الكريمة أَخَصُّ من التي قبلها؛ وذلك أنها تَقْتَضِي جَوَاز الدخول إلى البيوت التي ليس فيها أحد، إذا كان له فيها مَتَاع، بغير إذن؛ كالبيت الـمُعَدِّ للضيف، إذا أُذِنَ له فيه أول مرَّة كفى. وقال آخرون: هي بيوت التجار؛ كالخانات ومنازل الأسفار وبيوت مكة وغير ذلك. واختار ذلك ابن جرير، وحكاه عن جماعة. والأول أظهر، والله أعلم.
الآية (30): هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين أن يَغُضُّوا من أبصارهم عمَّا حَرَّم عليهم، فلا ينظروا إلَّا إلى ما أباح لهم النظر إليه، وأن يَغُضُّوا أبصارهم عن المحارم، فإن اتَّفَق أن وَقَع البصر على مُحرَّم من غير قَصد، فليَصْرِف بَصَرَه عنه سريعًا، كما روي عن جرير قال: سألت النبي ﷺ عن نظرة الفجأة، فأمرني أن أصرفَ بَصَري [رواه مسلم].
ولَـمَّا كان النظر داعيةً إلى فساد القلب، أمر الله بحِفظ الفروج كما أَمَر بحفظ الأبصار التي هي بَوَاعِث إلى ذلك، فقال: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ﴾. وحفظُ الفَرج تارةً يكون بمَنْعِه من الزِّنا، وتارةً يكون بحفظه من النظر إليه. ﴿ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ﴾ أي: أطهر لقلوبهم وأنقى لدينهم ﴿ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾، كما قال تعالى: ﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾ [غافر:19].
الآية (31): هذا أمْرٌ من الله للنساء المؤمنات، وغيْرَةٌ منه لأزواجِهنَّ المؤمنين، وتمييزٌ لَـهُنَّ عن صفة نساء الجاهلية وفِعَال المشركات؛ فقوله تعالى: ﴿ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ ﴾ أي: عمَّا حَرَّم الله عَليْهِنَّ من النَّظَر إلى غير أزواجهن. ولهذا ذَهَب كثير من العلماء إلى أنه: لا يجوز للمرأة النظر إلى الرجال الأجانب بشهوة ولا بغير شهوة أصلًا. وذهب آخرون من العلماء إلى جواز نَظَرِهِنَّ إلى الأجانب بغير شهوة، كما ثبت أن رسول الله [رواه البخاري] ﷺ جعل ينظر إلى الحبشة وهم يلعبون بحرابهم يوم العيد في المسجد، وعائشة أم المؤمنين تنظر إليهم من ورائه، وهو يسترها منهم حتى ملَّت ورجعت [رواه البخاري]. وقوله: ﴿ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ﴾ قال سعيد بن جُبَيْر: عن الفواحش. وقال قتادة وسفيان: عمَّا لا يَحِلُّ لَـهُنَّ. وقال مقاتل: عن الزِّنا. وقال تعالى: ﴿ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾ أي: لا يُظهِرْنَ شيئًا من الزينة للأجانب إلا ما لا يمكن إخفاؤه؛ قال ابن مسعود: كالرِّدَاء والثياب. وقال ابن عباس: وجهها وكفَّيها والخاتم.
وقوله: ﴿ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ﴾ يعني: الـمَقَانع يُعمَل لها صَنَفَات ضَارِبَات على صدور النساء، لتُوَاري ما تَحتَها من صَدْرها وتَرائِبِها؛ ليُخَالِفْن شِعَارَ نساء أهل الجاهلية؛ فإنهن لم يكن يَفعَلْن ذلك. فأَمَر الله المؤمنات أن يَستَتِرْن في هَيْئَاتِهن وأحوالهن؛ كما قال تعالى: ﱡﭐ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ﱠ [الأحزاب: 59]
﴿ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ﴾ والـخُمُر: جمع خِمَار، وهو ما يُخَمَّر به، أي: يُغَطَّى به الرأس، وهي التي تُسَمِّيها الناس الـمَقَانع. قال سعيد بن جبير: ولِيَشْدُدْن ﴿ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ﴾ يعني: على النَّحْر والصَّدْر، فلا يُرَى منه شيء.
﴿ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ ﴾ يعني: أزواجهن ﴿ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ ﴾ كل هؤلاء محارم المرأة يجوز لها أن تَظْهَر عليهم بزينتها، ولكن من غير اقتِصَاءٍ[1] وَتَبَهْرُجٍ. وقال عِكْرِمَة: لم يذكر العمَّ ولا الخال؛ لأنَّهما ينْعَتان لأبنائهما... فأما الزَّوج فإنَّما ذلك كُلُّه من أَجلِه، فتَتَصَنَّع له ما لا يكون بحَضْرِة غيره.
وقوله: ﴿ أَوْ نِسَائِهِنَّ ﴾ يعني: تُظهِر زينَتَها أيضًا للنساء المسلمات دون نساء أهل الذمة؛ لئلا تَصِفَهُنَّ لِرِجَالِهِنَّ، وأمَّا المسلمة فإنها تعلم أن ذلك حرام فَتَنْزَجِرُ عنه. وقد قال رسول الله ﷺ: «لا تُبَاشِرْ المرأةُ المرأةَ، تَنْعَتُهَا لزوجِها كأنه يَنظُر إليها» [متفق عليه]. وقوله تعالى: ﴿ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ ﴾ وإن كانت مشركةً؛ لأنها أَمَتُها. وإليه ذهب سعيد بن المسيَّب. وقال الأكثرون: بل يجوز لها أن تَظهَر على رقيقها من الرجال والنساء.
وقوله: ﴿ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ ﴾ يعني: كالأُجَرَاء والأَتبَاع الذين ليسُوا بِأَكْفَاء، وهم مع ذلك في عُقولهم وَلَهٌ وحَوْب[2]، ولا هَمَّ لهم إلى النساء ولا يَشْتَهُونَهُنَّ. قال ابن عباس: هو الْـمُغَفَّلُ الذي لا شَهْوَةَ له. وقال مجاهد: هو الأَبْلَهُ. وعن عائشة؛ أن مُخَنَّثًا كان يدخل على أهل رسول الله ﷺ، وكانوا يعدّونه من غير أولي الإربة، فدخل النبيّ ﷺ وهو يَنْعَتُ امرأةً. فقال رسول الله ﷺ: «لا يَدْخُلَنَّ عَلَيْكُنَّ» فأَخْرَجَه [رواه مسلم].
وقوله: ﴿ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ ﴾ يعني: لصِغَرِهم لا يفهمون أحوال النساء وعوراتِهنَّ. فأمَّا إن كان مُرَاهِقًا أو قريبًا منه، بحيث يَعرِفُ ذلك ويَدْريه، ويُفَرِّق بين الشَّوهَاء والـحَسْنَاء، فلا يُمَكَّن من الدخول على النساء.
وقوله تعالى: ﴿ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ ﴾ الآية كانت المرأة في الجاهلية إذا كانت تمشي في الطريق -وفي رجلها خلخال- ضَرَبَت برِجْلِها الأرض فيَسمَع الرجال طَنِينه، فنهى الله المؤمنات عن مثل ذلك. وكذلك إذا كان شيء من زينتها مستورًا، فتَحَرَّكَت بحركةٍ لتُظهِر ما هو خفي، دَخَل في هذا النهي. ومن ذلك أيضًا أنها تُنهَى عن التَّعَطُّر والتَّطَيُّب عند خروجها من بيتها فيَشُمُ الرجالُ طِيبَها.
﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ أي: افعلوا ما أمركم به من هذه الصفات الجميلة والأخلاق الجليلة، واتركوا ما كان عليه أهل الجاهلية من الأخلاق والصفات الرَّذِيلة، فإن الفَلاح كل الفَلاح في فِعْل ما أَمَر الله به ورسوله، وتَرْك ما نَهيَا عنه.