حجم الخط:

الآيات (29-35)

الآية (29-32): قد تَقَدَّم في تفسير الآية قبلها أن موسى عليه السلام قَضَى أَتَمَّ الأجلين وأَوْفَاهما وأَبَرَّهُما وأَكْمَلَهما وأَنْقَاهما، وقد يُستَفَاد هذا أيضًا من الآية الكريمة حيث قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى الْأَجَلَ أي: الأَكْمَل منهما، والله أعلم. ﴿ وَسَارَ بِأَهْلِهِ قالوا: كان موسى قد اشتاق إلى بلاده وأهله، فعَزَمَ على زيارتهم في خُفْيَةٍ من فرعون وقومه، فتَحَمَّلَ بأهله وما كان معه من الغنم التي وَهَبَهَا له صِهْرُه، فسَلَكَ بهم في ليلة مَطِيرَة مُظْلِمَة باردة، فنَزَل مَنْزِلًا، فَجَعَلَ كلَّما أَورَى زَنْدَهُ لَا يُضيء شيئًا، فتَعَجَّب من ذلك، فبَينَمَا هو كذلك إذ ﴿ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا أي: رأى نارًا تُضِيْء له على بُعْد، ﴿ قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا أي: حتى أَذْهَبَ إليها، ﴿ لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ وذلك لأنه قد أَضَلَّ الطريق، ﴿ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ أي: قِطْعَة منها ﴿ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ أي: تَتَدَفَّؤون بها من البَرْد.

﴿ فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ أي: من جانب الوادي ممَّا يلي الجبل عن يمينه من ناحية الغَرْب، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَىٰ مُوسَى الْأَمْرَ [القصص:44]، فهذا مِمَّا يُرشِدُ إلى أن موسى قَصَدَ النَّار إلى جهة القبلة، والجبل الغربي عن يمينه، والنار وَجَدَها تضطرم في شجرة خضراء في لَـحْف الجبل ممَّا يلي الوادي، فوَقَفَ باهتًا في أَمْرها، فناداه ربُّه: ﴿ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ . وقوله: ﴿ أَنْ يَا مُوسَىٰ إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ أي: الذي يُخَاطِبك ويُكَلِّمُك هو رَبُّ العالمين، الفَعَّال لِـمَا يشاء، لا إله غيره، ولا ربَّ سِوَاه، تعالى وتَقَدَّس وتَنَزَّهَ عن مماثلة المخلوقات في ذاته وصفاته، وأقواله وأفعاله سبحانه!

وقوله: ﴿ وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ أي: التي في يدك. كما قَرَّرَه على ذلك في قوله: ﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ ﴿١٧ قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ [طه:17-18].

والمعنى: أَمَا هذه عصاك التي تَعْرفُها! أَلْقِهَا ﴿ فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ [طه:20]، فعَرَفَ وتَحَقَّقَ أن الذي يُخَاطِبه ويُكَلِّمه هو الذي يقول للشيء: «كُنْ» فيكون. وقال ههنا: ﴿ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ أي: تضطرب ﴿ كَأَنَّهَا جَانٌّ أي: في حركتها السريعة مع عِظَم خَلْق قوائمها واتساع فَمِهَا، واصطكاك أنيابها وأضراسها، بحيث لا تمر بصخرة إلا ابتلعتها، فتَنْحَدِر في فيها تَتَقَعْقَع، كأنها حَادِرَةٌ في وَادٍ فعند ذلك ﴿ وَلَّىٰ مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ أي: ولم يكن يَلْتَفِت؛ لأن طَبْع البشرية يَنْفِر من ذلك. فلمَّا قال الله له: ﴿ يَا مُوسَىٰ أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ رَجَع فوَقَفَ في مقامه الأول. ثم قال الله له: ﴿ اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ أي: إذا أَدْخَلْتَ يَدَكَ في جَيْب دِرْعِك، ثُمَّ أَخْرَجْتَها فإنها تَخْرُج تَتَلَألأ، كأنها قِطْعَة قمر في لمعان البَرْق؛ ولهذا قال: ﴿ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ أي: من غير بَرَص.

وقوله: ﴿ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ قال مجاهد: من الفَزَع. وقال قتادة: من الرُّعْب. وقال ابن أسلم وابن جرير: ممَّا حَصَل لك من خَوفِك من الـحَيَّة. والظاهر أن المراد أَعَمُّ من هذا، وهو أنه أُمِرَ عليه السلام إذا خاف من شيء أن يَضُمَّ إليه جناحه من الرَّهْب، وهي يَدُه، فإذا فَعَلَ ذلك ذَهَبَ عنه ما يَجِدُه من الخوف. ورُبَّما إذا استعمل أحدٌ ذلك على سبيل الاقتداء فوَضَع يديه على فؤاده، فإنه يزول عنه ما يَجِد أو يَخِف إن شاء الله وبه الثقة.

وقوله: ﴿ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ يعني إلقاءه العصا وجَعْلَها حَيَّةً تَسعَى، وإدخاله يده في جيبه فتَخْرج بيضاء من غير سوء دليلان قاطعان واضحان على قدرة الفاعل المختار، وصحة نبوَّة من جَرَى هذا الخارق على يديه؛ ولهذا قال: ﴿ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ أي: وقومه من الرؤساء والكبراء والأتباع، ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ أي: خارجين عن طاعة الله، مخالفين لأَمْره ودينه.

الآية (33-35): لَـمَّا أَمَرَه الله تعالى بالذهاب إلى فرعون الذي إنما خَرَجَ من دِيَار مصر فِرَارًا منه وخوفًا من سطوته، ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا يعني: ذلك القِبطي ﴿ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ أي: إذا رأوني.

﴿ وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا وذلك أن موسى عليه السلام كان في لِسَانه لَثْغَة، بسبب ما كان تَنَاول تلك الجمرة حين خُيِّر بينها وبين التَّمْرة أو الدُّرَّة، فأخذ الـجَمْرة فوضعها على لسانه، فحَصَل فيه شِدَّة في التعبير؛ ولهذا قال: ﴿ وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي ﴿٢٧ يَفْقَهُوا قَوْلِي ﴿٢٨ وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي ﴿٢٩ هَارُونَ أَخِي ﴿٣٠ اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ﴿٣١ وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي [طه:27-32]، أي: يؤنسني فيما أمرتني به من هذا المقام العظيم، وهو القيام بأعباء النبوة والرسالة إلى هذا الملِك المتكبِّر الجبار العنيد.

ولهذا قال: ﴿ فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي أي: وزيرًا ومُعِينًا ومُقوّيًا لأمري، يصدِّقني فيما أقوله وأُخبِر به عن الله عز وجل ؛ لأن خَبَر اثنين أَنجَع في النفوس من خبر واحد؛ ولهذا قال: ﴿ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ . وقال محمد بن إسحاق: ﴿ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي أي: يُبَيِّنُ لهم عنِّي ما أُكَلِّمُهم به؛ فإنه يَفْهَم عني ما لا يفهموني.

فلمَّا سأل ذلك قال الله تعالى: ﴿ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ أي: سنُقَوِّي أَمْرَك، ونُعِزُّ جانبك بأخيك، الذي سألت له أن يكون نبيًّا معك. ولهذا قال بعض السلف: ليس أحد أعظم مِنَّةً على أخيه من موسى على هارون -عليهما السلام- فإنه شَفَع فيه حتى جَعَله الله نبيًّا ورسولًا معه إلى فرعون ومَلَئِه، ولهذا قال الله تعالى في حق موسى: ﴿ وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا [الأحزاب:69].

﴿ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا أي: حجةً قاهرةً ﴿ فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أي: لا سبيل لهم إلى الوصول إلى أذاكما بسبب إبلاغكما آيات الله؛ كما قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا [الأحزاب:39]، أي: وكفى بالله ناصرًا ومعينًا ومؤيِّدًا. ولهذا أخبرهما أن العاقبة لهما ولمن اتبعهما في الدنيا والآخرة، فقال: ﴿ أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ كما قال تعالى: ﱡﭐ ٢٠ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ [المجادلة: 21].