حجم الخط:

الآيات (29-35)

الآية (29-32): ﴿ وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ عن عبد الله بن مسعود قال: هبطوا على النبي وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة، فلمَّا سمعوه قالوا: ﴿ أَنْصِتُوا قالوا: صَهٍ، وكانوا تسعةً، أحدهم زَوْبَعَة، فأَنزَل الله عز وجل: ﴿ وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَىٰ قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ إلى قوله: ﴿ ضَلَالٍ مُبِينٍ [رواه الحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، والوادعي في أسباب النزول]. ﴿ وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ أي: طائفة من الجن، ﴿ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا أي: استمعوا، وهذا أَدَبٌ منهم. وقوله: ﴿ فَلَمَّا قُضِيَ أي: فرغ؛ كقوله: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ [الجمعة: 10] ﴿ وَلَّوْا إِلَىٰ قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ أي: رَجَعوا إلى قومهم فأَنْذَرُوهم ما سَمِعُوه من رسول الله ، كقوله: ﴿ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [التوبة: 122]. وقد اسْتُدِلَّ بهذه الآية على أنه في الجن نُذُرٌ، وليس فيهم رُسُل: ولا شكَّ أن الجن لم يَبْعَث الله منهم رسولًا؛ لقوله: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ [يوسف:109]. فكل نبي بَعَثَه الله بعد إبراهيم فمن ذريته وسلالته، فأما قوله تعالى في الأنعام: ﴿ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ [الأنعام:130]، فالمراد من مجموع الجنسين، فيَصْدُق على أحدهما وهو الإنس.

ثُمَّ إنه تعالى فَسَّر إنذار الجن لقومهم فقال مخبرًا عنهم: ﴿ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَىٰ ولم يذكروا عيسى؛ لأن عيسى عليه السلام أُنْزِلَ عليه الإنجيل فيه مواعظ وتَرْقِيقَات وقليل من التحليل والتحريم، وهو في الحقيقة كالـمُتَمِّم لشريعة التوراة، فالعمدة هو التوراة؛ فلهذا قالوا: ﴿ أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَىٰ . وهكذا قال وَرَقة بن نوفل حين أَخْبَرَه النبي بقصة نزول جبريل عليه السلام عليه أوَّلَ مَرَّة، فقال: بَخ بَخ، هذا الناموس الذي كان يأتي موسى، يا ليتني أكون فيها جَذَعًا [رواه البخاري]. ﴿ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ أي: من الكتب الـمُنْزَلَة قبله على الأنبياء. وقولهم: ﴿ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أي: في الاعتقاد والإخبار، ﴿ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ : في الأعمال؛ فإن القرآن يشتمل على شيئين خبر وطَلَب، فخبره صِدْق، وطلبه عَدْل.

﴿ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ فيه دلالة على أنه تعالى أرسل محمدًا إلى الثقلين الإنس والجن حيث دعاهم إلى الله، وقَرَأ عليهم السورة التي فيها خطاب الفريقين، وتكليفهم ووَعْدِهم ووَعِيدهم، وهي سورة الرحمن؛ ولهذا قال ﴿ أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ .

وقوله: ﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ : قِيل: إنّ «مِن» ههنا زائدة، وفيه نَظَر؛ لأن زيادتها في الإثبات قليل. وقيل: إنها على بابها للتبعيض، ﴿ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ أي: ويَقِيكم من عذابه الأليم.

وقد استَدَلَّ بهذه الآية من ذَهَب من العلماء إلى أن الجن المؤمنين لا يدخلون الجنة، وإنما جزاء صالحيهم أن يُجاروا من عذاب النار يوم القيامة؛ ولهذا قالوا هذا في هذا المقام، وهو مقام تَبَجُّح[1] ومبالغة، فلو كان لهم جزاء على الإيمان أعلى من هذا لأوشك أن يذكروه. عن ابن عباس قال: لا يدخل مؤمنو الجن الجنة؛ لأنهم من ذرية إبليس، ولا تدخل ذرية إبليس الجنة. والحق أن مُؤمِنيهم كمؤمني الإنس يدخلون الجنة، كما هو مذهب جماعة من السلف؛ وقد استدل بعضهم لهذا بقوله عز وجل ﴿ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ [الرحمن: 74] وفي هذا الاستدلال نظر، وأحسن منه قوله جل وعلا: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴿٤٦ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن:46-47]، فقد امتن تعالى على الثقلين بأن جَعَل جزاء مُحْسِنِهِمُ الجنة، وقد قابلَت الجِنُّ هذه الآية بالشُّكر القولي أَبْلَغَ من الإنس، فقالوا: «ولا بِشَيء من آلائك ربنا نكذب، فلك الحمد» [رواه الترمذي، وحسنه الألباني]. فلم يكن تعالى ليمتنَّ عليهم بجزاء لا يحصل لهم، وأيضًا فإنه إذا كان يُجازي كافرهم بالنار -وهو مقام عَدْل- فَلَأَنْ يُجازي مؤمنَهم بالجنة -وهو مقام فَضْل-بطريق الأولى والأحرى.

ثم قال مُخْبِرًا عنهم: ﴿ وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ أي: بل قُدرة الله شاملة له ومحيطة به، ﴿ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أي: لا يُجِيرُهم منه أحدٌ. ﴿ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ وهذا مقامُ تهديد وترهيب، فَدَعَوا قومهم بالترغيب والترهيب؛ ولهذا نَجَع في كثير منهم، وجاؤوا إلى رسول الله وفودًا وفودًا.

الآية (33-35): ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أي: هؤلاء المنكرون للبَعْث يوم القيامة، المستبعدون لقيام الأجساد يوم المعاد ﴿ أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ أي: ولم يُكْرثهُ خَلْقُهن، بل قال لها: «كوني» فكانت، بلا مُمَانَعة ولا مُخَالَفة، بل طائعة مجيبة خائفة وَجِلة، أفليس ذلك بقادر على أن يُحْيي الموتى؟! كما قال في الآية الأخرى: ﴿ لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [غافر:57]، ولهذا قال: ﴿ بَلَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . ثم قال مُتَهَدِّدًا ومُتَوَعِّدًا لمن كَفَر به: ﴿ وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَٰذَا بِالْحَقِّ أي: يُقَال لهم: أمَا هذا حقٌّ؟! ﴿ أَفَسِحْرٌ هَٰذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ [الطور:15]؟! ﴿ قَالُوا بَلَىٰ وَرَبِّنَا أي: لا يَسَعُهم إلا الاعتراف، ﴿ قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ثم قال تعالى آمرًا رسوله بالصبر على تكذيب من كَذَّبه من قومه: ﴿ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ أي: على تكذيب قومهم لهم.

وقد اختلفوا في تعداد أولي العزم على أقوال، وأشهرها أنهم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وخاتم الأنبياء كلهم محمد ، قد نَصَّ الله على أسمائهم من بين الأنبياء في آيتين من سُورَتَي «الأحزاب» و«الشورى»، وقد يحتمل أن يكون المراد بأُولي العزم جميع الرُّسُل، وتكون ﴿ مِنَ في قوله: ﴿ مِنَ الرُّسُلِ لبيان الجنس، والله أعلم.

﴿ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ أي: لا تستعجل لهم حلول العقوبة بهم.

﴿ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ كقوله: ﴿ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا [النازعات:46].

﴿ بَلَاغٌ قال ابن جرير: يحتمل معنيين: أحدهما: أن يكون تقديره: وذَلِكَ لُبْثَ بَلَاغ. والآخر: أن يكون تقديره: هذا القرآن بلاغ.

﴿ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ أي: لا يهلك على الله إلا هالك، وهذا من عدله تعالى أنه لا يُعذِّب إلا مَن يستحقُّ العذاب.