الآية (31-33): يذكر [تعالى] تخلُّفَ إبليس عن السجود [لآدم] من بين سائر الملائكة، حَسَدًا وكفرًا، وعنادًا واستكبارًا، وافتخارًا بالباطل؛ ولهذا قال: ﴿ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ﴾ كقوله: ﴿ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ﴾ [الأعراف:12]، وقوله: ﴿ قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [الإسراء:62].
الآية (34-38): يذكر تعالى أنه أمر إبليس أمرًا كونيًا لا يُخَالَف ولا يُمَانَع، بالخروج من المنزلة التي كان فيها من الملأ الأعلى، وأنه ﴿ رَجِيمٌ ﴾ أي: مرجوم. وأنه قد أَتْبَعَهُ لعنةً لا تزال مُتَّصِلةً به، لاحقةً له، متواترةً عليه إلى يوم القيامة. وأنه لَـمَّا تحقَّق الغَضَبَ الذي لا مَرَدَّ له، سأل -مِن تمام حسده لآدم وذريته- النَّظِرَةَ إلى يوم القيامة، وهو يوم البعث، وأنه أجيب إلى ذلك استدراجًا له وإمهالًا، فلمَّا تحقَّق النَّظِرَةَ -قبحه الله- قال ما قصّه الله تعالى.
الآية (39-44): يقول تعالى مخبرًا عن إبليس وتمرُّده وعتوِّه أنه قال للرب: ﴿ بِمَا أَغْوَيْتَنِي ﴾ قال بعضهم: أقسمَ بإغواء الله له. قلتُ: ويُحتمل أنه بسبب ما أغويتني وأضللتني.
﴿ لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ ﴾ أي: لذرية آدم عليه السلام، ﴿ فِي الْأَرْضِ ﴾ أي: أُحَبِّب إليهم المعاصي وأُرَغِّبُهُم فيها، وأَؤزُّهم إليها، وأُزعجهم إزعاجًا، ﴿ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ ﴾ أي: كما أغويتني وقَدَّرت عليَّ ذلك ﴿ أَجْمَعِينَ ﴿٣٩﴾ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴾ كما قال: ﴿ أَرَأَيْتَكَ هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [الإسراء:62].
قال الله تعالى له مُتَهَدِّدًا ومُتَوَعِّدًا: ﴿ هَٰذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ﴾ أي: مرجعكم كلكم إليَّ، فأجازيكم بأعمالكم، إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًا فشَرٌّ، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ﴾ [الفجر:14]. وقيل: طريق الحق مرجعها إلى الله تعالى، وإليه تنتهي. قاله مجاهد والحسن وقتادة، كما قال: ﴿ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ﴾ [النحل:9].
وقوله: ﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾ أي: الذين قدَّرْتُ لهم الهداية، فلا سبيل لك عليهم، ولا وصول لك إليهم ﴿ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ﴾ استثناء منقطع[1].
وقوله: ﴿ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ أي: جهنم موعد جميع من اتَّبَع إبليس؛ كما قال عن القرآن: ﴿ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ ﴾ [هود:17].
ثم أخبر أن لجهنم سبعة أبواب: ﴿ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ ﴾ أي: قد كُتِب لكلِّ باب منها جزء من أتباع إبليس يدخلونه، لا محيد لهم عنه -أجارنا الله منها- وكُلٌّ يدخل من باب بحسب عمله، ويَستَقرُّ في دَرَك بقدر فعله. وقال عِكْرمة: ﴿ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ ﴾: سبعة أطباق. وقال ابن جُرَيْج: أوّلها جهنم، ثم لظَى، ثم الحُطَمَة، ثم سعير، ثم سَقَر، ثم الجحيم، ثم الهاوية. وروى عن ابن عباس نحوه. وقال قتادة: وهي والله منازل بأعمالهم.
الآية (45-50): لَـمَّا ذَكَر تعالى حال أهل النار، عَطَف على ذِكر أهل الجنة، وأنهم في جنات وعيون.
وقوله: ﴿ ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ﴾ أي: سالمين من الآفات، مُسلَّمًا عليكم ﴿ آمِنِينَ ﴾ من كل خوف وفَزَع، ولا تخشوا من إخراج ولا انقطاع ولا فناء. وقوله: ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ ﴾ عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله ﷺ قال: «يَخْلُص المؤمنون من النار، فيُحبَسون على قنطرة بين الجنة والنار، فَيُقْتَصُّ لبعضهم من بعضهم، مظالمَ كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذِّبوا ونُقُّوا، أُذِنَ لهم في دخول الجنة» [رواه البخاري].
وروى ابن جرير عن محمد بن سيرين: استأذن الأشتر على عليٍّ رضي الله عنه وعنده ابن لطلحة، فحَبَسَه[2] ثم أَذِنَ له. فلمَّا دَخَل قال: إني لأراك إنما احتبستني لهذا؟ قال: أَجَل. قال: إني لأراه لو كان عندك ابن لعثمان لحبستني! قال: أَجَل، إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان ممن قال الله تعالى: ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ ﴾.
وقال أبو صالح في قوله: ﴿ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ ﴾، قال: هم عشرة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وعبد الله بن مسعود ╚ أجمعين.
وقوله: ﴿ مُتَقَابِلِينَ ﴾: قال مجاهد: لا ينظر بعضهم في قفا بعض.
وقوله: ﴿ لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ ﴾ يعني: المشقة والأذى، كما جاء في الصحيحين «إن الله أمرني أن أُبَشِّر خديجة ببيت في الجنة من قصَب، لا صَخَبَ فيه ولا نَصَبَ».
وقوله: ﴿ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ ﴾؛ كما قال الله تعالى: ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا ﴾ [الكهف:108].
وقوله: ﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿٤٩﴾ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ ﴾ أي: أخبر يا محمد عبادي أني ذو رحمة وذو عقاب أليم، وهي دالة على مَقَامَيِ الرجاء والخوف.
الآية (51): يقول تعالى: وأخبرهم يا محمد عن قصة ﴿ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ ﴾ والضيف: يُطلَق على الواحد والجمع.