حجم الخط:

الآيات (32-49)

الآية (32-34): ﴿ أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَٰذَا أي: عقولهم تأمرهم بهذا الذي يقولونه فيك من الأقوال الباطلة التي يعلمون في أنفسهم أنها كَذِب وزُور؟! ﴿ أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ أي: ولكن هم قوم ضُلَّال معاندون، فهذا هو الذي يَحْمِلهم على ما قالوه فيك. ﴿ أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ أي: اخْتَلَقَه وافتراه من عند نفسه، يعنون القرآن، قال الله: ﴿ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ أي: كفرهم هو الذي يَحملهم على هذه المقالة ﴿ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ أي: إن كانوا صادقين في قولهم: «تَقوَّله وافتراه» فليأتوا بمثل ما جاء به محمد من هذا القرآن؛ فإنهم لو اجتمعوا هم وجميع أهل الأرض من الجِنِّ والإنس، ما جاؤوا بمثله، ولا بَعَشْر سُوَر من مِثله، ولا بسُوْرة من مثله!

الآية (35-43): هذا المقام في إثبات الربوبية وتوحيد الألوهية، فقال تعالى: ﴿ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أي: أَوُجِدُوا من غير مُوجِد؟! أم هم أَوْجَدوا أنفسَهم؟! أي: لا هذا ولا هذا، بل الله هو الذي خَلَقَهم وأَنْشَأَهم بعد أن لم يكونوا شيئًا مذكورًا. عن جبير ابن مطعم، قال: سمعتُ النبي يقرأ في المغرب بالطور، فلمَّا بَلَغ هذه الآية: ﴿ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ﴿٣٥ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۚ بَلْ لَا يُوقِنُونَ ﴿٣٦ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ كاد قلبي أن يطير [متفق عليه]. وجبير بن مطعم كان قد قَدِم على النبي بعد وقعة بدر في فداء الأسارى، وكان إذ ذاك مشركًا، وكان سَمَاعُهُ هذه الآية من هذه السورة مِن جُملة ما حمَلَهُ على الدخول في الإسلام بعد ذلك.

﴿ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۚ بَلْ لَا يُوقِنُونَ أي: أهم خلقوا السموات والأرض؟! وهذا إنكار عليهم في شركهم بالله، وهم يعلمون أنه الخالق وحده، لا شريك له. ولكن عدم إيقانهم هو الذي يحملهم على ذلك، ﴿ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ أي: أهم يَتَصَرَّفون في الـمُلْك وبِيَدِهم مفاتيح الخزائن؟!

﴿ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ المحاسِبون للخلائق؟! ليس الأمر كذلك، بل الله هو المالك الـمُتَصَرِّف الفَعَّال لِـمَا يريد. وقوله: ﴿ أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ أي: مِرقاةٌ إلى الملأ الأعلى ﴿ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ أي: فليأتِ الذي يستمع لهم بحجةٍ ظاهرة على صحة ما هم فيه من الفِعَال والمقال، أي: ليس لهم سبيل إلى ذلك، فليسوا على شيء، ولا لهم دليل. ثم قال منكرًا عليهم فيما نسبوه إليه من البنات، وجعلهم الملائكة إناثًا، واختيارهم لأنفسهم الذكور على الإناث، وعبدوهم مع الله، فقال: ﴿ أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ ؟! وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، ﴿ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا أي: أُجرةً على إبلاغك إياهم رسالة الله؟! أي: لستَ تسألهم على ذلك شيئًا، ﴿ فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ أي: فهم من أدنى شيء يَتَبَرَّمون، ويُثْقِلُهم ويَشُقُّ عليهم.

﴿ أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ أي: ليس الأمر كذلك؛ فإنه لا يعلم أحد من أهل السموات والأرض الغيبَ إلا الله. ﴿ أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا ۖ فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ يقول تعالى: أم يريد هؤلاء بقولهم هذا في الرسول وفي الدين غرور الناس وكَيد الرسول وأصحابه، فكَيْدُهم إنما يَرْجِع وَبَالُه على أنفسهم: ﴿ فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ .

﴿ أَمْ لَهُمْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ؟! وهذا إنكار شديد على المشركين في عبادتهم الأصنام والأنداد مع الله.

ثم نَزَّهَ نفسه الكريمة عمَّا يقولون ويفترون ويشركون، فقال: ﴿ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ .

الآية (44-49): يقول تعالى مُخْبِرًا عن المشركين بالعناد والمكابرة للمحسوس: ﴿ وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا أي: عليهم، يُعَذَّبُون به، لَـمَا صَدَّقوا ولَـمَا أَيْقَنُوا، بل يقولون: هذا ﴿ سَحَابٌ مَرْكُومٌ أي: متراكم. ﴿ فَذَرْهُمْ أي: دَعْهم يا محمد ﴿ حَتَّىٰ يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ وذلك يوم القيامة ﴿ يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا أي: لا ينفعهم كيدُهم ومكرُهم الذي استعملوه في الدنيا، لا يُجدي عنهم يوم القيامة شيئًا، ﴿ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ .

ثم قال: ﴿ وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَٰلِكَ أي: قبل ذلك في الدار الدنيا؛ كقوله تعالى: ﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَىٰ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [السجدة:21]، ولهذا قال تعالى: ﴿ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أي: نُعَذِّبهم في الدنيا، ونَبتَلِيهم فيها بالمصائب، لعلَّهم يرجعون ويُنِيبُون، فلا يفهمون ما يُرَاد بهم، بل إذا جُلِّيَ عنهم ممَّا كانوا فيه، عادوا إلى أسوأ ما كانوا عليه.

﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا أي: اصبر على أذاهم ولا تُبَالِـهم، فإنك بمَرْأى مِنَّا وتَحْتَ كلاءتنا، والله يَعصِمك من الناس ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ قال الضحاك: أي إلى الصلاة: «سبحانكَ اللهمَّ وبِحَمدِك، وتباركَ اسمُك، وتعالى جَدُّكَ، ولا إله غيرك». وقد روي مثله عن الربيع بن أنس وابن أسلم وغيرهما. وروى مسلم عن عمر: أنه كان يقول هذا في ابتداء الصلاة. وقال أبو الجوزاء: ﴿ حِينَ تَقُومُ أي: من نومك من فراشك. واختاره ابن جرير، ويَتَأَيَّد هذا القول بما رُوِي عن عبادة بن الصامت عن رسول الله قال: «من تَعَارَّ من الليل فقال: لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: رب اغفر لي -أو قال: ثم دعا-اسْتُجِيبَ له، فإن عَزَمَ فتوضأ، ثم صلى تُقُبِّلَتْ صلاته» [رواه البخاري]. وعن مجاهد: ﴿ حِينَ تَقُومُ من كل مجلس. وقال أبو الأحوص: إذا أراد الرجل أن يقوم من مجلسه قال: سبحانك اللهم وبحمدك. وعن أبي هريرة عن النبي أنه قال: «من جَلَسَ في مجلس فكَثُر فيه لَغَطُه، فقال قبل أن يقوم من مجلسه: سبحانَكَ اللهمَّ وبحمدِكَ، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفركَ وأتوبُ إليك، إلا غُفِرَ له ما كان في مجلسه ذلك» [رواه الترمذي، وصححه الألباني].

﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ أي: اذكره واعبده بالتلاوة والصلاة في الليل، ﴿ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ عن ابن عباس أنهما الركعتان اللتان قبل صلاة الفجر. وفي الصحيحين عن عائشة قالت: لم يكن رسول الله على شيء من النوافل أَشَدَّ تعاهدًا منه على ركعتي الفجر. وفي لفظ لمسلم: «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها».