الآية (36-37): ﴿ وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ ﴿٣٦﴾ لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ ﴾ لا طعام له ههنا إلا من غسلين. قال قتادة: هو شر طعام أهل النار. وقال الربيع والضحاك: هو شجرة في جهنم. وقال ابن عباس: ما أدري ما الغسلين، ولكني أظنه الزقوم. وقال: الغسلين: الدم والماء يسيل من لحومهم. وعنه: الغسلين: صديد أهل النار.
الآية (38-52): يقول تعالى مُقسِمًا لخلقه بما يشاهدونه من آياته في مخلوقاته الدالة على كماله في أسمائه وصفاته، وما غاب عنهم مما لا يشاهدونه من المغيبات عنهم: إن القرآن كلامُه ووحيه وتنزيلُه على عبده ورسوله، الذي اصطفاه لتبليغ الرسالة وأداء الأمانة، فقال: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ ﴿٣٨﴾ وَمَا لَا تُبْصِرُونَ ﴿٣٩﴾ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ﴾ يعني: محمدًا ﷺ أضافه إليه على معنى التبليغ؛ لأن الرسول من شأنه أن يبلغ عن المرسل؛ ولهذا أضافه في سورة التكوير إلى الرسول الملكي: ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ﴿١٩﴾ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ﴿٢٠﴾ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ﴾ [التكوير:19-21] وهذا جبريل عليه السلام. ﴿ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ ﴾ [التكوير:25]، وهكذا قال ههنا: ﴿ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ ۚ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ ﴿٤١﴾ وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ ۚ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ﴾ فأضافه تارة إلى قولة الرسول الملكي، وتارة إلى الرسول البشري؛ لأن كلًا منهما مبلغ عن الله ما استأمنه عليه من وحيه وكلامه؛ ولهذا قال: ﴿ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾.
﴿ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا ﴾ أي: محمد ﷺ لو كان كما يزعمون مفتريًا علينا، فزاد في الرسالة أو نقص منها، أو قال شيئًا من عنده فنسبه إلينا -وليس كذلك- لعاجلناه بالعقوبة. ﴿ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ﴾ قيل: معناه: لانتقمنا منه باليمين؛ لأنها أشد في البطش، وقيل: لأخذنا منه بيمينه. ﴿ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ ﴾ قال ابن عباس: وهو نياط القلب، وهو العِرْقُ الذي القلب معلق فيه. ﴿ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ ﴾ أي: فما يقدر أحد منكم على أن يحجز بيننا وبينه إذا أردنا به شيئًا من ذلك. والمعنى في هذا: بل هو صادق بار راشد؛ لأن الله عز وجل مقرر له ما يبلغه عنه، مؤيد له بالمعجزات الباهرات والدلالات القاطعات. ﴿ وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ يعني: القرآن؛ كما قال: ﴿ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ﴾ [فصلت:44]. ﴿ وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ ﴾ أي: مع هذا البيان والوضوح سيوجد منكم من يكذّب بالقرآن. ﴿ وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾ قال ابن جرير: وإن التكذيب لحسرة على الكافرين يوم القيامة. وعن أبي مالك: ﴿ وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾ يقول: لندامة. ويحتمل عود الضمير على القرآن، أي: وإن القرآن والإيمان به لحسرة في نفس الأمر على الكافرين؛ كما قال: ﴿ ﲳ ﲴ ﲵ ﲶ ﲷ ﲸ ﲹ ﲺ ﲻ ﴾ [الشعراء: 200، 201]. ﴿ وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ ﴾ أي: الخبر الصدق الحق الذي لا مرية فيه، ولا شك ولا ريب. ﴿ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ﴾ أي: الذي أنزل هذا القرآن العظيم.