الآية (39): قال عز وجل: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ ﴾ أي: يخلف قوم لآخرين قبلهم، وجيل لجيل قبلهم؛ كما قال: ﴿ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ﴾ [النمل:62]. ﴿ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ﴾ أي: فإنما يعود وبال ذلك على نفسه دون غيره.
﴿ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا ﴾ أي: كلما استمروا على كفرهم أبغضهم الله، وكلما استمروا فيه خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، بخلاف المؤمنين؛ فإنهم كلما طال عُمُرُ أحدهم وحَسُنَ عملُه، ارتفعت درجته ومنزلته في الجنة، وزاد أجره، وأحبه خالقه وبارئه رب العالمين.
الآية (40): يقول تعالى لرسوله ﷺ أن يقول للمشركين: ﴿ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ أي: من الأصنام والأنداد ﴿ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ﴾ أي: ليس لهم شيء من ذلك، ما يملكون من قطمير.
وقوله: ﴿ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَىٰ بَيِّنَتٍ مِنْهُ ﴾ أي: أم أنزلنا عليهم كتابًا بما يقولون من الشرك والكفر؟! ليس الأمر كذلك.
﴿ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا ﴾ أي: بل إنما اتبعوا في ذلك أهواءهم وآراءهم وأمانيهم التي تمنوها لأنفسهم، وهي غرور وباطل وزور.
الآية (41): ثم أخبر تعالى عن قدرته العظيمة التي بها تقوم السماء والأرض عن أمره، وما جعل فيهما من القوة الماسكة لهما، فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ﴾ أي: أن تضطربا عن أماكنهما؛ كما قال: ﴿ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾ [الحج:65]، وقال تعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ﴾ [الروم:25].
﴿ وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ ﴾ أي: لا يقدر على دوامهما وإبقائهما إلا هو، وهو مع ذلك حليم غفور، أي: يرى عباده وهم يكفرون به ويعصونه، وهو يحلم فيؤخر ويُنظِر ويؤجل ولا يَعجَل، ويستر آخرين ويغفر؛ ولهذا قال: ﴿ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ﴾.
الآية (42-43): يخبر تعالى عن قريش والعرب أنهم أقسموا بالله جهد أيمانهم، قبل إرسال الرسول إليهم: ﴿ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ ﴾ أي: من جميع الأمم الذين أرسل إليهم الرسل. قاله الضحاك وغيره؛ كقوله تعالى: ﴿ أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَىٰ طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ ﴿١٥٦﴾ أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَىٰ مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا ﴾ [الأنعام:156-157]، وكقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ ﴿١٦٧﴾ لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ ﴿١٦٨﴾ لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ﴿١٦٩﴾ فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ [الصافات:167-170].
قال الله تعالى: ﴿ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ ﴾ وهو: محمد ﷺ، بما أنزل معه من الكتاب العظيم، وهو القرآن المبين ﴿ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا ﴾ أي: ما ازدادوا إلا كفرًا إلى كفرهم.
ثم بين ذلك بقوله: ﴿ اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ ﴾ أي: استكبروا عن اتباع آيات الله، ﴿ وَمَكْرَ السَّيِّئِ ﴾ أي: ومكروا بالناس في صدّهم إياهم عن سبيل الله.
﴿ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ﴾ أي: وما يعود وبال ذلك إلا عليهم أنفسهم دون غيرهم. وقال محمد بن كعب القُرَظِي: ثلاث من فعلهن لم يَنْجُ حتى ينزل به: مَن مكَر أو بغَى أو نكَث، وتصديقها في كتاب الله: ﴿ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ﴾، ﴿ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ ﴾ [يونس:23]، ﴿ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ ﴾ [الفتح:10].
وقوله: ﴿ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ ﴾ يعني: عقوبة الله لهم على تكذيبهم رسله ومخالفتهم أمره.
﴿ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ﴾ أي: لا تغير ولا تبدل، بل هي جارية كذلك في كل مكذب.
﴿ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا ﴾ أي: ﴿ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ﴾ [الرعد:11]، ولا يكشف ذلك عنهم، ويحوله عنهم أحد، والله أعلم.
الآية (44): يقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المكذبين بما جئتهم به من الرسالة: سيروا في الأرض، فانظروا كيف كان عاقبة الذين كذبوا الرسل؟! كيف ﱡﭐ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ۖ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا ﱠ [محمد:10]، فخَلَتْ منهم منازلهُم، وسُلِبُوا ما كانوا فيه من النّعم بعد كمال القوة، وكثرة العدد والعُدَد، وكثرة الأموال والأولاد، فما أغنى ذلك شيئًا، ولا دفع عنهم من عذاب الله من شيء، لما جاء أمر ربك؛ لأنه تعالى لا يعجزه شيء، إذا أراد كونه في السموات والأرض ﴿ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا ﴾ أي: عليم بجميع الكائنات، قدير على مجموعها.