حجم الخط:

الآيات (39-51)

الآية (39): قوله: ﴿ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ أي: أنذر الخلائق يوم الحسرة، ﴿ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ أي: فُصل بين أهل الجنة وأهل النار، ودَخل كل إلى ما صار إليه مخلَّدًا فيه، ﴿ وَهُمْ أي: اليوم ﴿ فِي غَفْلَةٍ عما أُنذروا به، ﴿ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ أي: لا يُصَدّقون به. عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله : «يجاء بالموت كأنه كبش أملح، فيُوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة، هل تعرفون هذا؟» قال: «فَيَشرَئِبُّون فينظرون ويقولون: نعم هذا الموت». قال: «فيقال: يا أهل النار، هل تعرفون هذا؟» قال: «فَيَشرَئِبُّون فينظرون ويقولون: نعم، هذا الموت» قال: «فيؤمر به فيُذبح» قال: «ويقال: يا أهل الجنة، خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت» قال: ثم قرأ رسول الله : ﴿ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وأشار بيده. قال: «أهل الدنيا في غفلة الدنيا» هكذا رواه الإمام أحمد، وقد أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما، ولفظهما قريب من ذلك. الآية (40): قوله: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ يخبر تعالى أنه الخالق المالك المتصرف، وأن الخلق كُلَّهم يَهْلَكُون ويبقى هو تعالى وتقدَّس، ولا أحدَ يَدّعي مُلْكًا ولا تصرُّفًا، بل هو الوارث لجميع خلقه، الباقي بعدهم، الحاكم فيهم، فلا تُظلم نفس شيئًا ولا جناح بعوضة ولا مثقال ذرة.

الآية (41-45): يقول تعالى لنبيه محمد : ﴿ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ : واتلُ على قومك، هؤلاء الذين يعبدون الأصنام، واذكر لهم ما كان من خبر إبراهيم خليل الرحمن -الذين هم من ذريته، ويدّعون أنهم على ملته، وقد ﴿ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا - مع أبيه كيف نهاه عن عبادة الأصنام، فقال: ﴿ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا أي: لا ينفعك ولا يدفع عنك ضررًا. ﴿ يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ يقول: فإن كنتُ من صُلبِك وترى أني أصغر منك لأني ولدك، فاعلم أني قد اطّلعت من العلم من الله على ما لم تعلمه أنت ولا اطلعت عليه ولا جاءك بعد، ﴿ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا أي: طريقًا مستقيمًا موصلًا إلى نيل المطلوب، والنجاة من المرهوب. ﴿ يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ أي: لا تُطعه في عبادتك هذه الأصنام؛ فإنه هو الداعي إلى ذلك والراضي به. قوله: ﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ عَصِيًّا أي: مخالفًا مستكبرًا عن طاعة ربه، فطرده وأبعده، فلا تتبعه تَصِرْ مثله. ﴿ يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَٰنِ أي: على شركك وعصيانك لما آمرك به، ﴿ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا يعني: فلا يكون لك مولى ولا ناصرًا ولا مغيثًا إلا إبليسُ، وليس إليه ولا إلى غيره من الأمر شيء، بل اتباعك له مُوجِبٌ لإحاطة العذاب بك، كما قال: ﴿ تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النحل:63].

الآية (46-48): يقول تعالى مخبرًا عن جواب أبي إبراهيم لولده إبراهيم فيما دعاه إليه أنه قال: ﴿ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ يعني: إن كنت لا تريد عبادتها ولا ترضاها، فانْتَهِ عن سبّها وشتمها وعيبها، فإنك إن لم تنته عن ذلك اقتصصتُ منك وشتمتك وسببتُك، وهو قوله: ﴿ لَأَرْجُمَنَّكَ ، قاله ابن عباس. وقوله: ﴿ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا قال مجاهد: يعني دهرًا. وقال الحسن البصري: زمانًا طويلًا، وقال ابن عباس: سويًا سالمًا، قبل أن تصيبك مني عقوبة. واختاره ابن جرير. فعندها قال إبراهيم لأبيه: ﴿ سَلَامٌ عَلَيْكَ ؛ كما قال تعالى في صفة المؤمنين: ﴿ وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا [الفرقان:63]. ومعنى: ﴿ سَلَامٌ عَلَيْكَ يعني: أما أنا فلا ينالك مني مكروه ولا أذى، وذلك لحُرمة الأُبُوّة. ﴿ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي أي: ولكن سأسأل الله تعالى فيك أن يهديك ويغفر ذنبك، ﴿ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا قال ابن عباس: لطيفًا، أي: في أن هداني لعبادته والإخلاص له. وقد استغفر إبراهيم لأبيه -مدة طويلة، وبعد أن هاجر إلى الشام وبنى المسجد الحرام، وبعد أن ولد له إسماعيل وإسحاق عليهما السلام- في قوله: ﱡﭐ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ [إبراهيم: 41]، ثم بيَّن تعالى أن إبراهيم أقلع عن ذلك، ورجع عنه، فقال تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ -إلى قوله- ﱡﭐ وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ۚ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ [التوبة:113-114].

وقوله: ﴿ وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي أي: أجتنبكم وأتبرأُ منكم ومن آلهتكم التي تعبدونها من دون الله، ﴿ وَأَدْعُو رَبِّي أي: وأعبد ربي وحده لا شريك له، ﴿ عَسَىٰ أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا و«عسى» هذه مُوجِبةٌ لا محالة؛ فإنه عليه السلام سيد الأنبياء بعد محمد .

الآية (49-50): يقول: فلما اعتزل الخليل أباه وقومه في الله، أبدله الله من هو خير منهم، ووهب له إسحاق ويعقوب، يعني ابنه وابن إسحاق؛ كما قال في الآية الأخرى: ﴿ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً [الأنبياء:72]، وقال: ﴿ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ [هود:71]. ولا خلاف أن إسحاق والد يعقوب، ولهذا إنما ذكر ههنا إسحاق ويعقوب، أي: جعلنا له نسلًا وعَقِبًا أنبياءَ، أقرَّ الله بهم عينه في حياته؛ ولهذا قال: ﴿ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا ، فلو لم يكن يعقوب قد نُبِّئ في حياة إبراهيم، لما اقتصر عليه، ولذكر ولده يوسف، فإنه نبي أيضًا. قوله: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا قال ابن عباس: يعني الثناء الحسن. وقال ابن جرير: إنما قال: ﴿ عَلِيًّا ؛ لأن جميع الملل والأديان يُثنون عليهم ويمدحونهم، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

الآية (51): لما ذكر تعالى إبراهيم الخليل وأثنى عليه، عَطَف بذكر الكليم، فقال: ﴿ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَىٰ ۚ إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا قرأ بعضهم بكسر اللام، من الإخلاص في العبادة. وقرأ الآخرون بفتحها، بمعنى أنه كان مُصطفًى؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ [الأعراف:144]. ﴿ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا جُمِع له بين الوصفين؛ فإنه كان من المرسلين الكبار أولي العزم الخمسة، وهم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.