الآية (4): ﴿ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ أي: إنما فَعلَ الله بهم ذلك وسَلَّط عليهم رسوله وعباده المؤمنين؛ لأنهم خالفوا الله ورسوله، وكذبوا بما أنزل الله على رسله المتقدمين في البشارة بمحمد ﷺ، وهم يعرفون ذلك كما يعرفون أبناءهم. ثم قال: ﴿ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾.
الآية (5): قوله: ﴿ مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ ﴾ قال كثيرون من المفسرين: اللينة: ألوان التمر سوى العجوة. قال ابن جرير: هو جميع النخل. وذلك أن رسول الله ﷺ لما حاصرهم أمر بقطع نخيلهم إهانة لهم، وإرهابًا وإرعابًا لقلوبهم. [سبب النزول]: روى محمد بن إسحاق أنهم قالوا: فبعث بنو النضير يقولون لرسول الله ﷺ: إنك تنهى عن الفساد، فما بالك تأمر بقطع الأشجار؟! فأنزل الله هذه الآية الكريمة، أي: ما قطعتم وما تركتم من الأشجار، فالجميع بإذن الله ومشيئته وقدرته ورضاه، وفيه نكاية بالعدو، وخزي لهم، وإرغام لأنوفهم.
عن ابن عمر قال: حارب النضير وقريظة، فأجلى بني النضير، وأقر قريظة ومَنّ عليهم حتى حاربت قريظة، فقتل من رجالهم وسبى وقسم نساءهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين، إلا بعضهم لحق بالنبي ﷺ فأمَّنهم وأسلموا، وأجلى يهود المدينة كلهم، بني قينقاع، وهم رهط عبد الله بن سلام، ويهود بني حارثة، وكلّ يهود بالمدينة [رواه البخاري].
وعن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ حَرّق نخل بني النضير وقطع -وهي البُوَيرةُ[1]- فأنزل الله عز وجل فيه: ﴿ مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ ﴾ [رواه البخاري]. وحكى البخاري عن عروة أنه قال: كانت وقعة بني النضير بعد بدر بستة أشهر.
الآية (6): الفيء: كلّ مال أُخذ من الكفار من غير قتال ولا إيجاف خيل ولا ركاب؛ كأموال بني النضير هذه؛ فإنها مما لم يُوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، أي: لم يقاتلوا الأعداء فيها بالمبارزة والمصاولة، بل نزل أولئك من الرعب الذي ألقى الله في قلوبهم من هيبة رسول الله ﷺ، فأفاءه الله على رسوله؛ ولهذا تصرف فيه كما شاء، فردَّه على المسلمين في وجوه البر والمصالح التي ذكرها الله عز وجل في هذه الآيات، فقال: ﴿ وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ ﴾ أي: من بني النضير ﴿ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ ﴾ يعني: الإبل، ﴿ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ أي: هو قدير لا يُغالَب ولا يُمانع، بل هو القاهر لكل شيء.
الآية (7): ﴿ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ ﴾ أي: جميع البلدان التي تُفتَح هكذا، فحُكمها حكم أموال بني النضير؛ ولهذا قال: ﴿ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ ﴾ إلى آخرها والتي بعدها. فهذه مصارفُ أموال الفيء ووجوهه. عن عمر قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يُوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله ﷺ خالصة، فكان ينفق على أهله منها نفقة سنته -وقال مَرّةً: قوت سنته- وما بقي جعله في الكُرَاع والسلاح في سبيل الله عز وجل [متفق عليه]. وهذه المصارف المذكورة في هذه الآية هي المصارف المذكورة في خُمُس الغَنيمة. ﴿ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ ﴾ أي: جعلنا هذه المصارف لمال الفيء لئلا يبقى مأكلة يتغلب عليها الأغنياء ويتصرفون فيها بمحض الشهوات والآراء، ولا يصرفون منه شيئًا إلى الفقراء.
﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾ أي: مهما أمركم به فافعلوه، ومهما نهاكم عنه فاجتنبوه، فإنه إنما يأمر بخير وإنما ينهى عن شر. وقد ثبت في الصحيحين أيضا عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أمرتكم بأمر فأْتـُوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه». ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ أي: اتقوه في امتثال أوامره وترك زواجره؛ فإنه شديد العقاب لمن عصاه وخالف أمره وأباه، وارتكب ما عنه زجره ونهاه.
الآية (8): ﴿ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ﴾ أي: خرجوا من ديارهم وخالفوا قومهم ابتغاء مرضاة الله ورضوانه. ﴿ وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴾ أي: هؤلاء الذين صَدَّقوا قولهم بفعلهم، وهؤلاء هم سادات المهاجرين.
الآية (9): قال تعالى مادحًا للأنصار، ومبينًا فضلهم وشرفهم وكرمهم وعدم حَسَدهم، وإيثارهم مع الحاجة: ﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ أي: سكنوا دار الهجرة من قبل المهاجرين وآمنوا قبل كثير منهم. ﴿ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ ﴾ أي: مِنْ كَرَمهم وشرف أنفسهم يُحبّون المهاجرين ويواسونهم بأموالهم. عن يحيى بن سعيد سمع أنس بن مالك قال: دعا النبي ﷺ الأنصار أن يقطع لهم البحرين، قالوا: لا إلا أن تقطع لإخواننا من المهاجرين مثلها. قال: «إما لا فاصبروا حتى تلقوني؛ فإنه سيصيبكم بعدي أثرة». [رواه البخاري]. ﴿ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا ﴾ أي: ولا يجدون في أنفسهم حسدًا للمهاجرين فيما فضلهم الله به من المنزلة والشرف، والتقديم في الذكر والرتبة. قوله: ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾ يعني: حاجة، أي: يقدمون المحاويج على حاجة أنفسهم، ويبدؤون بالناس قبلهم في حال احتياجهم إلى ذلك.
وقد ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أفضل الصدقة جهد المقل» [رواه أحمد وصحح إسناده أحمد شاكر]. وهذا المقام أعلى من حال الذين وَصَف اللهُ بقوله: ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ ﴾ [الإنسان:8]؛ فإن هؤلاء تصدقوا وهم يحبون ما تصدقوا به، وقد لا يكون لهم حاجة إليه ولا ضرورة به، وهؤلاء آثروا على أنفسهم مع خصاصتهم وحاجتهم إلى ما أنفقوه.
[سبب النزول]: عن أبي هُرَيرة قال: أتى رجل رسول الله ﷺ فقال: «ألا رجل يُضَيّفُ هذا الليلة رحمه الله». فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله. فذهب إلى أهله فقال لامرأته: هذا ضَيفُ رسول الله ﷺ لا تَدّخريه شيئًا. فقالت: والله ما عندي إلا قوتُ الصبية. قال: فإذا أراد الصبيةُ العَشَاء فنوّميهم، وتعالي فأطفئي السراج، ونَطوي بطوننا الليلة. ففعلَت، ثم غدا الرجل على رسول الله ﷺ، فقال: «لقد عجب الله عز وجل -أو: ضحك- من فلان وفلانة». وأنزل الله عز وجل: ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾ [متفق عليه]. ﴿ وَمَنْ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ﴾ أي: من سلم من الشح فقد أفلح وأنجح. عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: «واتقوا الشُحَّ؛ فإن الشّحَّ أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سَفَكُوا دماءهم واستَحلُّوا محارمهم» [رواه مسلم].