الآية (43): ذكر تعالى كيفية قيامهم من قبورهم ومجيئهم إلى قيام المحشر فقال: ﴿ مُهْطِعِينَ ﴾ أي: مسرعين، كما قال تعالى: ﴿ مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ ﴾ الآية [القمر:8]، وقال: ﴿ يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا ﴾ الآية [المعارج:43]. ﴿ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ ﴾ قال ابن عباس وغير واحد: رافعي رؤوسهم. ﴿ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ ﴾ أي: أبصارهم طائرة شاخصة، يُدِيمُون النظر لا يطرفون لحظة لكثرة ما هم فيه من الهول والفكرة والمخافة، لِـمَا يحلُّ بهم، عياذًا بالله العظيم من ذلك؛ ولهذا قال: ﴿ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ ﴾ أي: وقلوبهم خاوية خالية ليس فيها شيء لكثرة الوَجَل والخوف. وقال بعضهم: ﴿ هَوَاءٌ ﴾: خراب لا تَعِي شيئًا.
الآية (44-46): لشدة ما أخبر الله تعالى عنهم، قال لرسوله: ﴿ وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ يقول تعالى مخبرًا عن قِيل الذين ظلموا أنفسهم، عند معاينة العذاب: ﴿ رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ ﴾، كما قال تعالى: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ﴾ [المؤمنون:99]، وقال تعالى: ﴿ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الأنعام:27]. وقال تعالى رادًّا عليهم في قولهم هذا: ﴿ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ ﴾ أي: أولم تكونوا تحلفون من قبل هذه الحال: أنه لا زوال لكم عما أنتم فيه، وأنه لا معادَ ولا جزاءَ؟! فذوقوا هذا بذاك. قال مجاهد وغيره: ﴿ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ ﴾ أي: ما لكم من انتقال من الدنيا إلى الآخرة، كما أخبر عنهم تعالى: ﴿ وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَىٰ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ﴾ [النحل:38]. ﴿ وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ ﴾ أي: قد رأيتم وبلَغَكُم ما أحلَلْنا بالأمم المكذِّبة قبلكم، ومع هذا لم يكن لكم فيهم مُعْتَبَر، ولم يكن فيما أوقعنا بهم مُزْدَجَر لكم! وعن ابن عباس في قوله: ﴿ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴾ يقول: ما كان مكرهم لتزول منه الجبال. وكذا قال الحسن البصري، وَوَجَّهَه ابن جرير بأن هذا الذي فعلوه بأنفسهم من كفرهم بالله وشركهم به، ما ضرَّ ذلك شيئًا من الجبال ولا غيرها، وإنما عادَ وبالُ ذلك على أنفسهم. قلت: ويُشبه هذا إذًا قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا ﴾ [الإسراء:37]. والقول الثاني في تفسيرها: ما رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴾: يقول شركهم، كقوله: ﴿ تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا ﴿٩٠﴾ أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًا ﴾ [مريم:90-91]، وهكذا قال الضحاك وقتادة.
الآية (47-48): يقول تعالى مقرِّرًا لوعده ومؤكِّدًا: ﴿ فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ﴾ أي: من نُصْرَتِهِم في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. ثم أَخبر تعالى أنه ذو عِزَّة لا يَمتَنِع عليه شيء أراده، ولا يُغالَب، ﴿ ذُو انْتِقَامٍ ﴾ ممَّن كَفَر به وجَحَده، فويل يومئذٍ للمكذبين؛ ولهذا قال: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ﴾ أي: وَعْدُه هذا حاصل يوم تُبدَّل الأرض غير الأرض، وهي هذه على غير الصفة المألوفة المعروفة، كما جاء في الصحيحين عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ: «يُحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء، كقُرْصَةِ النَّقِيِّ، ليس فيها مَعْلَمٌ لأحدٍ».
وعن عائشة قالت: أنا أولُ الناس سأل رسول الله ﷺ عن هذه الآية: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ۖ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴾ قلت: أين الناس يومئذٍ يا رسول الله؟ قال: «على الصراط» [رواه مسلم]. وقوله: ﴿ وَبَرَزُوا لِلَّهِ ﴾ أي: خَرَجَت الخلائق جميعها من قبورهم لله ﴿ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴾ أي: الذي قَهَر كل شيء وغَلَبَه، ودانت له الرقاب، وخَضَعَت له الألباب.
الآية (49-51): يقول تعالى: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ﴾، وتَبْرُز الخلائق لدَيَّانها، ترى يا محمد يومئذٍ المجرمين، وهم الذين أَجرَموا بكفرهم وفسادهم، ﴿ مُقَرَّنِينَ ﴾ أي: بعضهم إلى بعض، كل صنف إلى صنف، كما قال تعالى: ﴿ احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ ﴾ [الصافات:22]، وقال: ﴿ وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا ﴾ [الفرقان:13]. والأصفاد: هي القيود، قاله ابن عباس وسعيد بن جبير والأعمش وعبد الرحمن بن زيد. وهو مشهور في اللغة. وقوله: ﴿ سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ ﴾ أي: ثيابهم التي يلبسونها عليهم من قَطِران، وهو الذي تُطْلَى به الإبل، وهو أَلْصَقُ شيء بالنار. وكان ابن عباس يقول: القَطِران هو: النحاس الـمُذَاب، وربما قرأها (سرابيلهم من قِطْرٍ آن) أي: من نحاس حار قد انتهى حَرُّه. وكذا روي عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة.
وقوله: ﴿ وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمُ النَّارُ ﴾، كقوله: ﴿ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ ﴾ [المؤمنون:104]. وقوله: ﴿ لِيَجْزِيَ اللَّهُ ﴾ أي: يوم القيامة، كما قال: ﴿ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ﴾ [النجم:31]. ﴿ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾: يحتمل أن يكون كقوله تعالى: ﴿ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ﴾ [الأنبياء:1]، ويحتمل أنه في حال محاسبته لعبده سريع النجاز؛ لأنه يعلم كل شيء، ولا يخفى عليه خافية، وأن جميع الخلق بالنسبة إلى قدرته كالواحد منهم؛ كقوله تعالى: ﴿ مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ [لقمان:28]، وهذا معنى قول مجاهد: ﴿ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾: إحصاء. ويُحتمل أن يكون المعْنَيان مُرَادَيْن، والله أعلم.
الآية (52): يقول تعالى: هذا القرآن بلاغ للناس؛ كقوله: ﴿ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ﴾ [الأنعام:19]، أي: هو بلاغ لجميع الخلق من إنس وجان. ﴿ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ ﴾ أي: لِيَتَّعِظُوا به ﴿ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ﴾ أي: يَسْتَدِلُّوا بما فيه من الحجج والدلالات على أنه لا إله إلا هو. ﴿ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ أي: ذوو العقول.