حجم الخط:

الآيات (43-53)

الآية (43-44): ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أي: ينظرون إليك وإلى ما أعطاك الله من التؤَدة، والسَّمت الحسن، والخلق العظيم، والدلالة الظاهرة على نبوّتك لأولي البصائر والنُّهَى، وهؤلاء ينظرون كما ينظر غيرهم، ولا يحصل لهم من الهداية شيء ممَّا يحصل لغيرهم، بل المؤمنون ينظرون إليك بعين الوقار، والكافرون ينظرون إليك بعين الاحتقار، ﴿ وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا الآية [الفرقان:41].

ثم أخبر تعالى أنه لا يَظْلِمُ أحدًا شيئًا، فهو الحاكم الـمُتَصَرِّف في ملكه بما يشاء، الذي لا يُسأَل عما يفعل وهم يُسألون؛ لعلمه وحكمته وعدله؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَٰكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ . وفي الحديث عن أبي ذر، عن النبي ، فيما يرويه عنه ربه عز وجل: «يا عبادي، إني حرّمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم مُحرَّمًا؛ فلا تَظَالَـموا» إلى أن قال في آخره: «يا عبادي، إنَّمَا هي أعمالكم أُحْصِيها لكم، ثم أُوَفِّيكُم إياها، فمن وَجَدَ خيرًا فليحمد الله، ومن وَجَد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نفسه» [رواه مسلم].

الآية (45): يقول تعالى مُذكِّرا للناس قيام الساعة وحَشرِهم من أجداثهم إلى عَرَصات القيامة: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ الآية؛ كقوله: ﴿ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا [النازعات:46]، وقال تعالى: ﴿ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا ﴿١٠٢ يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا ﴿١٠٣ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا [طه:102-104]، وقال تعالى: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ الآيتين [الروم:55-56]. وهذا كله دليل على استقصار الحياة الدنيا في الدار الآخرة؛ كقوله: ﴿ قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ ﴿١١٢ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ ﴿١١٣ قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [المؤمنون:112-114].

وقوله: ﴿ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ أي: يعرف الأبناء الآباء، والقرابات بعضهم لبعض، كما كانوا في الدنيا، ولكن كلٌّ مشغول بنفسه، ﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ الآية [المؤمنون:101]، وقال تعالى: ﴿ وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا الآيات [المعارج:10].

وقوله: ﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ كقوله تعالى: ﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ [المرسلات:15]؛ لأنهم ﴿ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الزمر:15]. فهذه هي الخسارة العظيمة، ولا خسارة أعظم من خَسارة من فُرّق بينه وبين أحبته يوم الحسرة والندامة.

الآية (46-47): يقول تعالى مخاطبًا لرسوله : ﴿ وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أي: ننتَقِم منهم في حياتك لتقرَّ عينُك منهم، ﴿ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ أي: مصيرهم ومُنْقَلَبُهم، والله شهيد على أفعالهم بعدك. وقوله: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ ۖ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قال مجاهد: يعني يوم القيامة. ﴿ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ الآية كقوله تعالى: ﴿ وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا الآية [الزمر:69].

فكل أمة تُعرَضُ على الله بحضرة رسولها، وكِتَابُ أعمالها من خيرٍ وشرٍّ موضوعٌ شاهد عليهم، وحفَظَتُهُم من الملائكة شهودٌ أيضًا؛ أُمَّةً بعد أُمَّةٍ. وهذه الأمة الشريفة وإن كانت آخر الأمم في الخلق، إلا أنها أوَّل الأمم يوم القيامة يُفْصَلُ بينهم ويُقْضَى لهم، كما جاء عن رسول الله أنه قال: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، المقضي لهم قبل الخلائق» [متفق عليه]، فأُمّته إنما حازت قَصَب السَّبْق لشَرَف رسولها، صلوات الله وسلامه عليه إلى يوم الدين.

الآية (48-52): يقول تعالى مخبرًا عن كُفر هؤلاء المشركين في استعجالهم العذَاب وسؤالهم عن وقته قبل التعيين، مما لا فائدة لهم فيه؛ كقوله: ﴿ يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ [الشورى:18] أي: كائنةٌ لا محالة وواقعة، وإن لم يعلموا وقتها عينًا، ولهذا أرشَدَ رسوله إلى جوابهم فقال: ﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ أي: لا أقول إلا ما علَّمني، ولا أقدر على شيء ممَّا استأثر به إلا أن يُطلعني عليه؛ فأنا عبده ورسوله إليكم، وقد أخبرتكم بمجيء الساعة وأنها كائنة، ولم يطلعني على وقتها، ولكن ﴿ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ أي: لكل قَرْن مدَّة من العمر مُقدَّرة، فإذا انقضى أجلهم ﴿ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ، كقوله: ﴿ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا [المنافقون:11]، ثم أخبرهم أن عذاب الله سيأتيهم بغتةً، فقال: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا أي: ليلًا أو نهارًا، ﴿ مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ ﴿٥٠ أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ ۚ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ يعني: أنهم إذا جاءهم العذاب قالوا: ﴿ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا الآية [السجدة:12]، وقال تعالى: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ ﴿٨٤ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ [غافر:84-85]. ﴿ ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ أي: يوم القيامة يُقال لهم هذا تبكيتًا وتقريعًا؛ كقوله: ﴿ يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ﴿١٣ هَٰذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ ﴿١٤ أَفَسِحْرٌ هَٰذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ ﴿١٥ اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الطور:13-16].

الآية (53): يقول تعالى: ويستخبرونك ﴿ أَحَقٌّ هُوَ ؟ أي: المعاد والقيامة من الأجداث بعد صيرورة الأجسام ترابًا، ﴿ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ ۖ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ أي: ليس صيرورتكم ترابًا بمُعجِز الله عن إعادتكم كما بدأكم من العدم؛ ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82]. وهذه الآية ليس لها نظير في القرآن إلا آيتان أُخريان، يأمر الله تعالى رسوله أن يقُسِم به على من أنكر المعاد في سورة سبأ: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ [سبأ:3]، وفي التغابن: ﴿ زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [التغابن:7].