الآية (5): ﴿ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ ﴾ أي: بهذا القول الذي افْتَرَوْه وائْتَفَكُوه من عِلم ﴿ وَلَا لِآبَائِهِمْ ﴾ أي: لأسلافهم.
﴿ كَبُرَتْ كَلِمَةً ﴾ أَعْظِمْ بِكَلِمَتِهِم كَلِمَةً! وهذا تبشيع لمقالتهم واستعظام لإفكهم؛ ولهذا قال: ﴿ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ﴾ أي: ليس لها مُستند سوى قولهم، ولا دليل لهم عليها إلا كَذِبهم وافتراؤهم؛ ولهذا قال: ﴿ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا ﴾.
الآية (6-8): يقول تعالى مُسلّيًا رسوله ﷺ في حزنه على المشركين، لتَركِهم الإيمان وبُعدِهم عنه، كما قال تعالى: ﴿ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ﴾ [فاطر:8]. ﴿ بَاخِعٌ ﴾: أي مُهْلِكٌ نَفْسَك بِحُزْنك عليهم، ﴿ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ ﴾ يعني: القرآن ﴿ أَسَفًا ﴾ يقول: لا تُهْلِكْ نفسك أَسَفًا. قال قتادة: قَاتِلٌ نَفْسَكَ غَضَبًا وحُزْنًا عليهم. أي: لا تأسف عليهم، بل أَبْلِغْهُم رسالة الله، فمن اهتدى فلنفسه، ومن ضلَّ فإنما يضلُّ عليها، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات.
ثم أخبر تعالى أنه جعل الدنيا دارًا فانية مُزيَّنة بزينة زائلة، وإنما جعلها دار اختبار لا دار قرار، فقال: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾ عن أبي سعيد، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الدنيا حُلوةٌ خَضِرَةٌ، وإن الله مُسْتَخْلِفكم فيها فناظِر ماذا تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء؛ فإن أوَّل فتنة بني إسرائيل كانت في النساء» [رواه مسلم]. ثم أخبر تعالى بزوالها وفنائها، وفراغها وانقضائها، وذهابها وخرابها، فقال: ﴿ وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا ﴾ أي: وإنا لَـمُصَيِّرُوهَا بعد الزينة إلى الخراب والدمار، فنَجعَل كل شيء عليها هالكًا ﴿ صَعِيدًا جُرُزًا ﴾ لا يُنْبِت ولا يُنْتَفَعُ به؛ كما قال ابن عباس: يَهْلَكُ كل شيء عليها ويَبِيدُ. وقال قتادة: الصعيد: الأرض التي ليس فيها شجر ولا نبات.
الآية (9-12): هذا إخبار عن قصة أصحاب الكهف، على سبيل الإجمال والاختصار، ثم بسطها بعد ذلك فقال: ﴿ أَمْ حَسِبْتَ ﴾ يعني: يا محمد ﴿ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا ﴾ أي: ليس أمرهم عجيبًا في قدرتنا وسلطاننا؛ فإن خلْق السموات والأرض، واختلاف الليل والنهار، والقمر والكواكب، وغير ذلك من الآيات العظيمة الدالة على قدرة الله، وتسخير الشمسِ والقمر والكواكب، وغير ذلك من الآيات العظيمة الدالة على قدرة الله تعالى، وأنه على ما يشاء قادر، ولا يُعجِزه شيء أَعْجَبُ من أخبار أصحاب الكهف. وقال ابن عباس: ﴿ أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا ﴾: الذي آتيتك من العلم والسنة والكتاب، أفضل من شأن أصحاب الكهف والرقيم.
وأما «الكهف» فهو: الغار في الجبل، وهو الذي لَـجَأَ إليه هؤلاء الفتية. وأما «الرقيم» فقال ابن عباس: الكتاب. وقال سعيد بن جبير: لوح من حجارة، كَتَبوا فيه قصص أصحاب الكهف، ثم وَضَعُوه على باب الكهف. وقال ابن أسلم: الرقيم: الكتاب. ثم قرأ: ﴿ كِتَابٌ مَرْقُومٌ ﴾ [المطففين:9]. وهذا هو الظاهر من الآية، وهو اختيار ابن جرير، قال: «الرقيم» فَعِيل بمعنى مَرْقُومٍ. والله أعلم.
﴿ إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ ﴾ يخبر تعالى عن أولئك الفتية، الذين فَرُّوا بدينهم من قومهم لئلا يفتنوهم عنه، فَهَرَبوا منهم فَلَجَؤُوا إلى غار في جبل ليختفوا عن قومهم، ﴿ فَقَالُوا ﴾ حين دَخَلوا سائلين من الله تعالى رحمته ولطفه بهم: ﴿ رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً ﴾ أي: هَبْ لنا من عندك رحمةً ترحمنا بها وتسترنا عن قومنا، ﴿ وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا ﴾ أي: وَقَدِّرْ لنا من أمرنا هذا رَشَدًا، أي: اجعل عاقبتنا رشدًا.
وقوله: ﴿ فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا ﴾ أي: ألقينا عليهم النوم حين دخلوا إلى الكهف، فناموا سنين كثيرة. ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ ﴾ أي: من رَقدَتِهم تلك، وخَرَج أحدهم بدراهم معه ليشتري لهم بها طعامًا يأكلونه، كما سيأتي بيانه وتفصيله؛ ولهذا قال: ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ ﴾ أي: المختلفين فيهم ﴿ أَحْصَىٰ لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا ﴾ قيل: عددًا، وقيل: غايةً، فإن الأمد الغاية.
الآية (13-15): من ههنا شرع في بسط القصة وشرحها، فذَكَر تعالى أنهم فتية -وهم الشباب- وهم أَقْبَلُ للحقِّ، وأَهدَى للسبيل من الشيوخ، الذين قد عَتَوا وانغمسوا في دين الباطل؛ ولهذا كان أكثر المستجيبين لله ولرسوله ﷺ شبابًا، وأما المشايخ من قريش، فعامَّتُهم بَقُوا على دينهم، ولم يُسلِم منهم إلا القليل. وهكذا أَخبَر تعالى عن أصحاب الكهف أنهم كانوا فتيةً شبابًا ﴿ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ ﴾ أي: اعترفوا له بالوحدانية، وشهدوا أنه لا إله إلا هو.
﴿ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ﴾ استدل بهذه الآية وأمثالها غير واحد من الأئمة كالبخاري وغيره، ممن ذهب إلى زيادة الإيمان وتفاضله، وأنه يزيد وينقص؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ﴾ كما قال: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا ﴾ [التوبة:124]، وقال: ﴿ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ ﴾ [الفتح:4] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ذلك. والظاهر أنهم كانوا قبل ملة النصرانية بالكلية؛ فإنه لو كانوا على دين النصرانية، لما اعتنى أحبار اليهود بحفظ خبرهم وأمرهم، لمباينتهم لهم.
وقوله: ﴿ وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ يقول تعالى: وصَبَّرناهم على مخالفة قومهم ومدينتهم، ومفارقة ما كانوا فيه من العيش الرغيد والسعادة والنعمة.
﴿ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَٰهًا ﴾ ولن: لنفي التَّأْبِيد[1]، أي: لا يقع منا هذا أبدًا؛ لأنَّا لو فعلنا ذلك لكان باطلًا؛ ولهذا قال عنهم: ﴿ لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا ﴾ أي: باطلًا وكذبًا وبهتانًا. ﴿ هَٰؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً ۖ لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ ﴾ أي: هَلَّا أقاموا على صحة ما ذهبوا إليه دليلًا واضحًا صحيحًا؟! ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ يقولون: بل هم ظالمون كاذبون في قولهم ذلك. والمشروع عند وقوع الفتن في الناس، أن يَفِرَّ العبد خوفًا على دينه، كما جاء في الحديث: «يُوشِكُ أن يكون خيرُ مال أحدكم غنمًا يَتبَعُ بها شَعَفَ الجبال ومواقع القَطْر، يَفِرُّ بدينه من الفتن» [رواه البخاري بنحوه].
ففي هذه الحال تُشرَع العزلة عن الناس، ولا تُشرَع فيما عداها، لِـمَا يَفُوت بها من ترك الجماعات والـجُمَع.