الآية (50): قالت لهم الخزنة رادين عليهم: ﴿ قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ ﴾ أي: أَوَما قامت عليكم الحجج في الدنيا على ألسنة الرسل؟! ﴿ قَالُوا بَلَىٰ قَالُوا فَادْعُوا ﴾ أي: أنتم لأنفسكم، فنحن لا ندعو لكم ولا نسمع منكم ولا نودّ خلاصكم، ونحن منكم برآء، ثم نخبركم أنه سواء دعوتم أو لم تدعوا لا يستجاب لكم ولا يخفف عنكم.
ولهذا قالوا: ﴿ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ ﴾ أي: إلا في ذهاب، لا يُتقبل ولا يستجاب.
الآية (51): أورد ابن جرير عند قوله: ﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ سؤالًا فقال: قد عُلِم أن بعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قتله قومه بالكلية؛ كيحيى وزكريا وشعيا. ومنهم من خرج من بين أظهرهم إما مهاجرًا كإبراهيم، وإما إلى السماء كعيسى، فأين النصرة في الدنيا؟! ثم أجاب عن ذلك بجوابين: أحدهما: أن يكون الخبر خرج عامًا، والمراد به البعض؛ قال: وهذا سائغ في اللغة. الثاني: أن يكون المراد بالنصر الانتصار لهم ممن آذاهم، وسواء كان ذلك بحضرتهم أو في غيبتهم أو بعد موتهم، كما فُعِلَ بقتلة يحيى وزكريا وشعيا، سُلِّط عليهم من أعدائهم من أهانهم وسفك دماءهم، وقد ذُكِر أن النمروذ أخذه الله أخذ عزيز مقتدر، وأما الذين راموا صلب المسيح عليه السلام من اليهود فسلط الله تعالى عليهم الروم فأهانوهم وأذلوهم وأظهرهم الله تعالى عليهم، ثم قبل يوم القيامة سينزل عيسى ابن مريم -عليه الصلاة والسلام- إمامًا عادلًا وحكمًا مقسطًا فيقتل المسيح الدجال وجنوده من اليهود، ويقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويضع الجزية فلا يقبل إلا الإسلام؛ وهذه نصرة عظيمة، وهذه سنة الله في خلقه في قديم الدهر وحديثه: أنه ينصر عباده المؤمنين في الدنيا، ويُقرُّ أعينهم ممن آذاهم؛ ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ أنه قال: «يقول الله تعالى: من عادى لي وليًّا فقد بارزني بالحرب»؛ ولهذا أهلك تعالى قوم نوح و[عادًا] وثمود، وأصحاب الرس، وقوم لوط، وأهل مدين، وأشباههم وأضرابهم، ممن كذب الرسل وخالف الحق، وأنجى الله من بينهم المؤمنين، فلم يهلك منهم أحدًا، وعذب الكافرين، فلم يفلت منهم أحدًا. وهكذا نصر الله سبحانه نبيه محمدًا ﷺ وأصحابه على من خالفه وناوأه، وكذَّبه وعاداه، فجعل كلمته هي العليا، ودينه هو الظاهر على سائر الأديان. وأمره بالهجرة من بين ظهراني قومه إلى المدينة النبوية، وجعل له فيها أنصارًا وأعوانًا، ثم منحه أكتاف المشركين يوم بدر، فنصره عليهم وخذلهم له، وقتل صناديدهم، وأسر سَرَاتَهم، فاستاقهم مُقرَّنين في الأصفاد، ثم مَنَّ عليهم بأخذه الفداء منهم، ثم بعد مدة قريبة فتح عليه مكة، فقرَّت عينه ببلده، وهو البلد المحرم الحرام المشرف المعظم، فأنقذه الله به مما كان فيه من الشرك والكفر، وفتح له اليمن، ودانت له جزيرة العرب بكمالها، ودخل الناس في دين الله أفواجًا. ثم قبضه الله تعالى إليه لما له عنده من الكرامة العظيمة، فأقام الله أصحابه خلفاء بعده، فبلغوا عنه دين الله، ودعوا عباد الله إلى الله. وفتحوا البلاد والرّساتيق والأقاليم والمدائن والقرى والقلوب، حتى انتشرت الدعوة المحمدية في مشارق الأرض ومغاربها. ثم لا يزال هذا الدين قائمًا منصورًا ظاهرًا إلى قيام الساعة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ﴾ أي: يوم القيامة تكون النصرة أعظم وأكبر وأجل. قال مجاهد: الأشهاد: الملائكة.
الآية (52-55): قوله: ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ﴾ بدل من قوله: ﴿ وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ﴾. ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ ﴾ وهم المشركون ﴿ مَعْذِرَتُهُمْ ﴾ أي: لا يُقبل منهم عذر ولا فدية، ﴿ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ ﴾ أي: الإبعاد والطرد من الرحمة ﴿ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ﴾ وهي النار. قاله السُّدي، بئس المنزل والمقيل. وقال ابن عباس: أي: سوء العاقبة. ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَىٰ ﴾ وهو ما بعثه الله به من الهدى والنور، ﴿ وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ ﴾ أي: جعلنا لهم العاقبة، وأورثناهم بلاد فرعون وأمواله وحواصله وأرضه، بما صبروا على طاعة الله واتباع رسوله موسى عليه السلام. وفي الكتاب الذي أورثوه -وهو التوراة- ﴿ هُدًى وَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ وهي: العقول الصحيحة السليمة. قوله: ﴿ فَاصْبِرْ ﴾ أي: يا محمد ﴿ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ﴾ أي: وعدناك أنا سنُعلي كلمتك، ونجعل العاقبة لك ولمن اتبعك، والله لا يخلف الميعاد. وهذا الذي أخبرناك به حق لا مرية فيه ولا شك. ﴿ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ﴾ هذا تهييج للأمة على الاستغفار ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ ﴾ أي: في أواخر النهار وأوائل الليل ﴿ وَالْإِبْكَارِ ﴾ وهي أوائل النهار وأواخر الليل.
الآية (56): ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ ﴾ أي: يدفعون الحق بالباطل، ويردون الحجج الصحيحة بالشُّبَه الفاسدة بلا برهان ولا حجة من الله ﴿ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ ﴾ أي: ما في صدورهم إلا كبر على اتباع الحق، واحتقار لمن جاءهم به، وليس ما يرومونه من إخمال الحق وإعلاء الباطل بحاصل لهم، بل الحق هو المرفوع، وقولهم وقصدهم هو الموضوع. ﴿ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ﴾ أي: من حال مثل هؤلاء ﴿ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾، أو: من شر مثل هؤلاء المجادلين في آيات الله بغير سلطان. هذا تفسير ابن جرير.
الآية (57): يقول تعالى منبهًا على أنه يعيد الخلائق يوم القيامة، وأن ذلك سهل عليه، يسير لديه بأنه خلق السموات والأرض، وخلْقُهما أكبر من خلق الناس بدأة وإعادة، فمن قدر على ذلك فهو قادر على ما دونه بطريق الأولى والأحرى: ﴿ لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾؛ فلهذا لا يتدبرون هذه الحجة ولا يتأملونها، كما كان كثير من العرب يعترفون بأن الله خلق السموات والأرض، وينكرون المعاد، استبعادًا وكفرًا وعنادًا، وقد اعترفوا بما هو أولى مما أنكروا.
الآية (58): ﴿ وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ ﴾ أي: كما لا يستوي الأعمى الذي لا يبصر شيئًا، والبصير الذي يرى ما انتهى إليه بصره، بل بينهما فرق عظيم، كذلك لا يستوي المؤمنون الأبرار والكفرة الفجار. ﴿ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ ﴾ أي: ما أقل ما يتذكر كثير من الناس.