حجم الخط:

الآيات (54-61)

الآية (54): يقول تعالى: ولقد بينَّا للناس في هذا القرآن، ووضَّحنا لهم الأمور، وفصَّلناها، كيلا يَضِلُّوا عن الحق، ويَخرجُوا عن طريق الهدى. ومع هذا البيان وهذا الفرقان، الإنسان كثير المجادلة والمخاصمة والمعارضة للحق بالباطل، إلا من هَدَى اللهُ وبَصَّرَه لطريق النجاة. عن علي بن أبي طالب، أن رسول الله طَرَقَهُ وفاطمةَ بنت رسول الله ليلةً، فقال: «ألا تُصَلِّيَان؟!» فقلت: يا رسول الله، إنما أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعَثَنا بَعَثَنا. فانصرف حين قلتُ ذلك، ولم يَرْجع إليَّ شيئًا، ثم سمعته وهو مُوَلٍّ يَضرِب فَخِذَه ويقول: ﴿ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا [متفق عليه].

الآية (55-56): يُخبِر تعالى عن تمرُّد الكفرة في قديم الزمان وحديثه، وتكذيبهم بالحقِّ البيِّن الظاهر مع ما يشاهدون من الآيات والدلالات الواضحات، وأنه ما مَنَعَهم من اتباع ذلك إلا طلبهم أن يشاهدوا العذاب الذي وُعِدُوا به عِيانًا؛ كما قال أولئك لنبيِّهم: ﴿ فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [الشعراء:187]، وآخرون قالوا: ﴿ ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [العنكبوت:29]، وقالت قريش: ﴿ اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَٰذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الأنفال:32]، ﴿ وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ﴿٦ لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [الحجر:6-7] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ذلك.

ثم قال: ﴿ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ من غشيانهم بالعذاب وأخذهم عن آخرهم، ﴿ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا أي: يرونه عِيانًا مواجهةً، ثم قال: ﴿ وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ أي: قَبل العذاب مبشِّرِين مَن صدَّقَهم وآمن بهم، ومنذرين لِـمن كَذَّبَهم وخالفهم. ثم أخبر عن الكفار بأنهم يُجادِلون بالباطل ﴿ لِيُدْحِضُوا بِهِ أي: ليُضْعِفُوا به ﴿ الْحَقَّ الذي جاءتهم به الرسل، وليس ذلك بحاصل لهم، ﴿ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا أي: اتخذوا الحجج والبراهين وخوارق العادات التي بُعِثَ بها الرسل، وما أنذروهم وخوَّفوهم به من العذاب ﴿ هُزُوًا أي: سَخِروا منهم في ذلك، وهو أشدُّ التكذيب.

الآية (57-59): يقول تعالى: وأيُّ عباد الله أظلم ممن ذُكِّر بآيات الله ﴿ فَأَعْرَضَ عَنْهَا ، أي: تَنَاساها وأعرض عنها، ولم يُصغِ لها، ولا ألقى إليها بالًا، ﴿ وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ أي: من الأعمال السيئة والأفعال القبيحة، ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أي: قلوب هؤلاء ﴿ أَكِنَّةً أي: أغطيةً وغشاوةً، ﴿ أَنْ يَفْقَهُوهُ أي: لئلا يفهموا هذا القرآن والبيان، ﴿ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا أي: صَمَمًا معنويًّا عن الرَّشَاد، ﴿ وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَىٰ فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا .

وقوله: ﴿ وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ أي: ربك -يا محمد- غفور ذو رحمة واسعة، ﴿ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ كما قال: ﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ [فاطر:45]، وقال: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ [الرعد:6] والآيات في هذا كثيرة.

ثم أخبر أنه يَحلُم ويَستُر ويَغفِر، وربَّما هَدَى بعضهم مِن الغَيِّ إلى الرشاد، ومن استمر منهم فَلَهُ يومٌ يَشيْب فيه الوليد، وتَضَعُ كل ذات حَمْلٍ حَملَها؛ ولهذا قال: ﴿ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا أي: ليس لهم عنه مَحِيد ولا مَحِيص ولا مَعْدِل.

وقوله: ﴿ وَتِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا أي: الأمم السالفة والقرون الخالية أهلكناهم بسبب كفرهم وعنادهم، ﴿ وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا أي: جعلناه إلى مدة معلومة ووقت معلوم معين، لا يزيد ولا ينقص، أي: وكذلك أنتم أيها المشركون، احذروا أن يُصِيبَكم ما أصابهم، فقد كَذَّبْتُم أشرف رسول وأعظم نبيٍّ، ولستم بأعزَّ علينا منهم، فخافوا عذابي ونُذُر.

الآية (60-61): سبب قول موسى لفتاه -وهو يُوشَع بن نُون- هذا الكلام: أنه ذُكِرَ له أن عبدًا من عباد الله بمَجْمَع البحرين، عنده من العِلْم ما لم يُحِطْ به موسى، فأَحَبَّ الذهاب إليه، وقال لفتاه ذلك: ﴿ لَا أَبْرَحُ أي لا أزال سائرًا ﴿ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أي: هذا المكان الذي فيه مَجْمَعُ البحرين، قال قتادة وغير واحد: وهما بحر فارس مما يلي المشرق، وبحر الروم مما يلي المغرب. وقال محمد بن كعب القُرظي: مجمع البحرين عند طنجة، يعني في أقصى بلاد المغرب، فالله أعلم.

وقوله: ﴿ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا أي: ولو أني أسير حُقُبًا من الزمان. قال ابن جرير: ذَكَرَ بعض أهل العلم بكلام العرب أن الحُقُب في لغة قيس: سَنَة. وعن عبد الله بن عمرو قال: الحُقُب ثمانون سنة. وقال ابن عباس قوله: ﴿ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا قال: دهرًا.

وقوله: ﴿ فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا [عن] أبي بن كعب: أنه سمع رسول الله يقول: «إن موسى قام خطيبًا في بني إسرائيل، فسُئِل: أي الناس أعلم؟ فقال: أنا، فعتب الله عليه إذ لم يَرُدّ العلم إليه، فأوحى الله إليه: إن لي عبدًا بمجمع البحرين هو أعلم منك، قال موسى: يا رب فكيف لي به؟ قال: تأخذ معك حوتًا فتجعله في مكتل، فحيثما فقدت الحوت فهو ثم، فأخذ حوتًا فجعله في مكتل، ثم انطلق وانطلق معه بفتاه يوشع بن نون، حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رؤوسهما فناما، واضطرب الحوت في المكتل فخرج منه فسقط في البحر، ﴿ فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا ، وأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق. [متفق عليه].