حجم الخط:

الآيات (67-75)

الآية (67): يخبر تعالى أن الناس إذا مسَّهم ضُرٌّ، دعوه منيبين إليه، مخلصين له الدين؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ أي: ذهب عن قلوبكم كل ما تعبدون غير الله تعالى. قوله: ﴿ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ أي: نسيتم ما عرفتم من توحيده في البحر، وأعرضتم عن دعائه وحده لا شريك له. قوله: ﴿ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا أي: سَجِيَّتُه هذا، ينسى النعم ويجحدُها، إلا من عَصَمَ الله.

الآية (68): يقول تعالى: أفحسبتم بخروجكم إلى البَرِّ [أنكم] أمنتم من انتقامه وعذابه ﴿ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا وهو: المطر الذي فيه حجارة. قاله مجاهد؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ [القمر:34]، وقد قال في الآية الأخرى: ﴿ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ [هود:82]، وقال: ﴿ أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ ﴿١٦ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ [الملك:16-17].

وقوله: ﴿ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا أي: ناصرًا يرد ذلك عنكم، وينقذكم منه.

الآية (69): يقول تعالى: ﴿ أَمْ أَمِنْتُمْ أيها المعرضون عنا بعدما اعترفوا بتوحيدنا في البحر، وخرجوا إلى البَرِّ ﴿ أَنْ يُعِيدَكُمْ في البحر مرة ثانية ﴿ فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ أي: يقصف الصواري ويغرق المراكب. قال ابن عباس: القاصف: ريح البحار التي تكسر المراكب وتغرقها. قوله: ﴿ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ أي: بسبب كفركم وإعراضكم عن الله تعالى. ﴿ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا قال ابن عباس: نصيرًا، وقال مجاهد: نصيرًا ثائرًا، أي: يأخذ بثأركم بعدكم.

الآية (70): يخبر تعالى عن تشريفه لبني آدم، وتكريمه إياهم، في خلقه لهم على أحسن الهيئات وأكملها؛ كقوله تعالى: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التين:4] أي: يمشي قائمًا منتصبًا على رجليه، ويأكل بيديه, وغيره من الحيوانات يمشي على أربع ويأكل بفمه، وجعل له سمعًا وبصرًا وفؤادًا، يفقه بذلك كله وينتفع به، ويفرق بين الأشياء، ويعرف منافعها وخواصها ومضارها في الأمور الدنيوية والدينية. ﴿ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ أي: على الدواب من الأنعام والخيل والبغال، ﴿ وَالْبَحْرِ أيضًا على السفن الكبار والصغار ﴿ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أي: من زروع وثمار، ولحوم وألبان، من سائر أنواع الطعوم والألوان، المشتهاة اللذيذة، والمناظر الحسنة، والملابس الرفيعة من سائر الأنواع، على اختلاف أصنافها وألوانها وأشكالها، مما يصنعونه لأنفسهم، ويجلبه إليهم غيرهم من أقطار الأقاليم والنواحي ﴿ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا أي: من سائر الحيوانات وأصناف المخلوقات. وقد استُدل بهذه الآية على أفضلية جِنس البشر على جنس الملائكة.

الآية (71-72): يخبر تبارك وتعالى عن يوم القيامة: أنه يحاسب كل أمة بإمامهم. وقد اختلفوا في ذلك؛ فقال مجاهد وقتادة: أي بنبيهم. وهذا كقوله: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ الآية [يونس:47]. وقال ابن زيد: بكتابهم الذي أُنزل على نبيهم من التشريع. واختاره ابن جرير. وعن مجاهد أنه قال: بكتبهم. فيحتمل أن يكون أراد هذا، وأن يكون أراد ما رواه العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿ يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ أي: بكتاب أعمالهم. وهذا القول هو الأرجح؛ لقوله تعالى: ﴿ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ [يس:12]، وقال تعالى: ﴿ وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:49]. ويحتمل أن المراد بإمامهم: أي كل قوم بمن يأتمون به؛ فأهل الإيمان ائتموا بالأنبياء عليهم السلام وأهل الكفر ائتموا بأئمتهم؛ كما قال: ﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ۖ [القصص:41]. وفي الصحيحين: «لِتتَّبعْ كلُّ أمة ما كانت تعبد، فَيَتَّبِعُ من كان يعبد الطواغيت الطواغيت». وقال تعالى: ﴿ وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٢٨ هَٰذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية:28، 29]. وهذا لا ينافي أن يُجاء بالنبي إذا حكم الله بين أمته؛ فإنه لا بد أن يكون شاهدًا عليها بأعمالها، كما قال: ﴿ وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ [الزمر:69]، وقال تعالى: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا [النساء:41]. ولكن المراد ههنا بالإمام هو كتاب الأعمال؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ۖ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَٰئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ أي: من فرحته وسروره بما فيه من العمل الصالح، يقرؤه ويحب قراءته؛ كقوله: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ إلى قوله: ﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ [الحاقة:19-25].

وقوله: ﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا قد تقدم أن «الفتيل» هو الخيط المستطيل في شق النواة. وقوله: ﴿ وَمَنْ كَانَ فِي هَٰذِهِ أَعْمَىٰ قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وابن زيد: ﴿ وَمَنْ كَانَ فِي هَٰذِهِ أي: في الحياة الدنيا ﴿ أَعْمَىٰ عن حجج الله وآياته وبيناته ﴿ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَىٰ أي: كذلك يكون ﴿ وَأَضَلُّ سَبِيلًا أي: وأضل منه [عما] كان في الدنيا، عياذًا بالله من ذلك.

الآية (73-75): يخبر تعالى عن تأييد رسوله، صلوات الله عليه وسلامه، وتثبيته، وعصمته وسلامته من شر الأشرار وكيد الفجار، وأنه تعالى هو المتولي أمره ونصره، وأنه لا يَكِلُهُ إلى أحد من خلقه، بل هو وليه وحافظه وناصره ومؤيده ومظفره، ومظهر دينه على من عاداه وخالفه وناوأه، في مشارق الأرض ومغاربها.