حجم الخط:

الآيات (7-11)

الآية (7): قال تعالى مخبرًا عن إحاطة علمه بخلقه واطلاعه عليهم، وسماعه كلامهم، ورؤيته مكانهم حيث كانوا وأين كانوا: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ أي: من سر ثلاثة ﴿ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِنْ ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا أي: يطلع عليهم ويسمع كلامهم وسرهم ونجواهم، ورسله أيضًا مع ذلك تكتب ما يتناجون به، مع علم الله به وسمعه لهم؛ كما قال: ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [التوبة:78]؛ ولهذا حكى غير واحد الإجماع على أن المراد بهذه الآية معيّة علم الله تعالى، ولا شك في إرادة ذلك، ولكن سمعه أيضًا مع علمه محيط بهم، وبصره نافذ فيهم، فهو سبحانه مطلع على خلقه، لا يغيب عنه من أمورهم شيء. ﴿ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ قال الإمام أحمد: افتتح الآية بالعلم، واختتمها بالعلم.

الآية (8): قال مجاهد: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَىٰ اليهود. [سبب النزول]: قال مقاتل بن حيان: كان بين النبي وبين اليهود موادعة، وكانوا إذا مر بهم رجل من أصحاب النبي جلسوا يتناجون بينهم، حتى يظن المؤمن أنهم يتناجون بقتله - أو بما يكره المؤمن- فإذا رأى المؤمن ذلك خَشيهم، فترك طريقه عليهم. فنهاهم النبي عن النجوى، فلم ينتهوا وعادوا إلى النجوى، فأنزل الله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ . قوله: ﴿ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ أي: يتحدثون فيما بينهم بالإثم، وهو ما يختص بهم، والعدوان، وهو ما يتعلق بغيرهم، ومنه معصية الرسول ومخالفته، يُصِرون عليها ويتواصون بها. ﴿ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ [سبب النزول]: عن عائشة قالت: دخل على رسول الله يهود فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم. فقالت عائشة: وعليكم السام. قالت: فقال رسول الله : «يا عائشة، إن الله لا يحب الفحش ولا التفحش». قلت: ألا تسمعهم يقولون: السام عليك؟! فقال رسول الله: «أوَما سمعتِ أقول: وعليكم؟!». فأنزل الله: ﴿ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ [رواه مسلم]. وقوله: ﴿ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ أي: يفعلون هذا، ويقولون ما يحرّفون من الكلام وإيهام السلام، وإنما هو شتم في الباطن، ومع هذا يقولون في أنفسهم: لو كان هذا نبيًّا لعذبنا الله بما نقول له في الباطن؛ لأن الله يعلم ما نُسرّه، فلو كان هذا نبيًّا حقًّا لأوشك أن يعاجلنا الله بالعقوبة في الدنيا، فقال تعالى: ﴿ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ أي: جهنم كفايتهم في الدار الآخرة ﴿ يَصْلَوْنَهَا ۖ فَبِئْسَ الْمَصِيرُ . وعن عبد الله بن عمرو؛ أن اليهود كانوا يقولون لرسول الله : سام عليك، ثم يقولون في أنفسهم: ﴿ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ فنزلت هذه الآية: ﴿ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ ۚ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا ۖ فَبِئْسَ الْمَصِيرُ إسناد حسن ولم يخرجوه [رواه أحمد، وصحح إسناده أحمد شاكر].

الآية (9): ثم قال الله مُؤدّبًا عباده المؤمنين ألا يكونوا مثل الكفرة والمنافقين: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ أي: كما يتناجى به الجهلة من كفرة أهل الكتاب ومن مَالأهم على ضلالهم من المنافقين. ﴿ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ أي: فيخبركم بجميع أعمالكم وأقوالكم التي قد أحصاها عليكم، وسيجزيكم بها. عن صفوان بن محرز قال: كنت آخذا بيد ابن عمر، إذ عرض له رجل فقال: كيف سمعت رسول الله يقول في النجوى يوم القيامة؟ قال: سمعت رسول الله يقول: «إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كنفه ويستره من الناس، ويقرره بذنوبه، ويقول له: أتعرف ذنب كذا؟! أتعرف ذنب كذا؟! أتعرف ذنب كذا؟! حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أن قد هلك، قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، ثم يعطى كتاب حسناته. وأما الكفار والمنافقون فـ﴿ يَقُولُ [هود:18]». أخرجاه في الصحيحين.

الآية (10): ﴿ إِنَّمَا النَّجْوَىٰ وهي المُسَارّة حيث يتوهم مؤمن بها سوءًا ﴿ مِنَ الشَّيْطَانِ يعني: إنما يصدر هذا من المتناجين عن تسويل الشيطان وتزيينه، ﴿ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا أي: ليسوءهم، ﴿ وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ومن أحسَّ من ذلك شيئًا فليستعذ بالله وليتوكل على الله؛ فإنه لا يضره شيء بإذن الله. وقد وردت السنة بالنهي عن التناجي حيث يكون في ذلك تأذٍّ على مؤمن، كما روى ابن مسعود قال: قال رسول الله : «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجَينَّ اثنان دون صاحبهما، فإن ذلك يحزنه» [متفق عليه].

الآية (11): يقول تعالى مؤدبًا عباده المؤمنين، وآمرًا لهم أن يحسن بعضهم إلى بعض في المجالس: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا ؛ وذلك أن الجزاء من جنس العمل، كما في الحديث: «من بَنَى لله مسجدًا بنى الله له بيتًا في الجنة» [رواه مسلم]، وفي الحديث الآخر: «ومن يَسَّر على مُعْسِر يَسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة» [رواه مسلم]. قال قتادة: نزلت هذه الآية في مجالس الذكر؛ وذلك أنهم كانوا إذا رأوا أحدهم مقبلًا ضَنّوا بمجالسهم عند رسول الله ، فأمرهم الله أن يفسح بعضهم لبعض. وقد روى ابن عمر أن رسول الله قال: «لا يقيم الرَّجُلُ الرَّجُلَ من مجلسه فيجلس فيه، ولكن تَفَسَّحُوا وتَوسَّعوا» [متفق عليه]. وقد اختلف الفقهاء في جواز القيام للوارد إذا جاء، على أقوال: فمنهم من رخّص في ذلك محتجًّا بحديث: «قوموا إلى سيدكم» [متفق عليه]. ومنهم من منع من ذلك محتجًّا بحديث: «من أحَبَّ أن يَتَمثَّلَ له الرجال قيامًا، فَلْيَتبوَّأ مَقْعَدَه من النار» [رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني]. ومنهم من فصَّل فقال: يجوز عند القدوم من سفر، وللحاكم في محل ولايته، كما دل عليه قصة سعد بن معاذ؛ فإنه لما استقدمه النبي حاكمًا في بني قريظة فرآه مقبلًا قال للمسلمين: «قوموا إلى سيدكم». وما ذاك إلا ليكون أنفذَ لحكمه. فأما اتخاذه ديدنًا فإنه من شعار العجم. وقد جاء أنه لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله ، وكان إذا جاء لا يقومون له، لما يعلمون من كراهته لذلك [رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني]. ﴿ أي: لا تعتقدوا أنه إذا فَسَح أحد منكم لأخيه إذا أقبل، أو إذا أُمر بالخروج فخرج، أن يكون ذلك نقصًا في حقه، بل هو رفعة ومزية عند الله، والله تعالى لا يُضيع ذلك له، بل يجزيه بها في الدنيا والآخرة؛ فإن من تواضع لأمر الله رَفَع الله قدره، ونَشَر ذكره. ﴿ أي: خبير بمن يستحق ذلك وبمن لا يستحقه. قال عمر رضي الله عنه: أما إن نبيكم قد قال: «إن الله يرفع بهذا الكتاب قوما ويضع به آخرين» [رواه مسلم].