الآية (71-74): ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ أي: تكتمون ما في كُتبكم من صفة محمد ﷺ وأنتم تعرفون ذلك وتَتَحَقَّقُونَه. ﴿ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ هذه مكيدة أرادوها ليلْبِسوا على الضعفاء من الناس أمْر دينهم، وهو أنهم اشْتَوَروا بينهم أن يُظهِروا الإيمان أول النهار، ويُصَلّوا مع المسلمين صلاة الصبح، فإذا جاء آخر النهار ارتدوا إلى دينهم ليقول الجهلة من الناس: إنما رَدّهم إلى دينهم اطّلاعهُم على نقيصةٍ وعيبٍ في دين المسلمين، ولهذا قالوا: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾. وقوله: ﴿ وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ ﴾ أي: لا تطمئنوا وتظهروا سِرَّكم وما عندكم إلا لمن اتبع دينكم، ولا تُظهِروا ما بأيديكم إلى المسلمين، فيُؤمنوا به ويَحتجُّوا به عليكم؛ قال الله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ الْهُدَىٰ هُدَى اللَّهِ ﴾ أي: هو الذي يهدي قلوب المؤمنين إلى أتمّ الإيمان، بما يُنَزِّلُهُ على عبده ورسوله محمد ﷺ من الآيات البينات، والدلائل القاطعات، والحجج الواضحات، وَإنْ كتمتُم -أيها اليهود- ما بأيديكم من صفة محمد النبي الأمي في كُتبكم التي نقلتموها عن الأنبياء الأقدمين. وقوله ﴿ أَنْ يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ ۗ ﴾ يقولون: لا تُظهِروا ما عندكم من العلم للمسلمين، فيتعلَّموه منكم، ويساووكم فيه، ويمتازوا به عليكم لشدة الإيمان به، أو يحاجُّوكم به عند الله، أي: يتخذوه حجة عليكم بما في أيديكم، فتقوم به وتَتَركَّب الحجةُ في الدنيا والآخرة. قال الله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ۗ ﴾ أي: الأمورُ كلها تحت تصريفه، وهو المعطي المانع، يَمُنّ على من يشاء بالإيمان والعلم والتصوّر التام، ويُضِلُّ من يشاء ويُعمي بَصَره وبصيرته، ويَختم على قلبه وسمعه، ويَجعل على بَصَره غشاوة، وله الحجة والحكمة. ﴿ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴿٧٣﴾ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾ أي: اختصَّكم -أيها المؤمنون- من الفضل بما لا يُحَدُّ ولا يُوصَف، بما شرَّف به نبيكم محمدًا ﷺ على سائر الأنبياء وهداكم به لأحمدِ الشرائع.
الآية (75-76): يُخبر تعالى عن اليهود بأن فيهم الخوَنة، ويُحذِّر المؤمنين من الاغترار بهم؛ فإن منهم ﴿ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ ﴾ أي: من المال ﴿ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ ﴾ أي: وما دونه بطريق الأَولى أن يُؤديَه إليك، ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ۗ ﴾ أي: بالمطالبة والملازمة والإلحاح في استخلاص حقِّك، وإذا كان هذا صنيعُه في الدينار فما فوقه أولى ألا يؤديه إليك.
عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ: «أنه ذكر رجلًا من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يُسْلِفَه ألف دينار، فقال: ائتني بالشهداء أُشهِدْهم. فقال: كفى بالله شهيدًا. قال: ائتني بالكفيل. قال: كفى بالله كفيلًا. قال: صدقتَ. فدَفَعَها إليه إلى أجل مسمًى، فخرج في البحر فقضى حاجته، ثم التمس مركبًا يركبها يَقْدم عليه للأجل الذي أجله، فلم يجد مركبًا، فأخذ خشبةً فنَقَرَها فأدخل فيها ألف دينار، وصحيفةً منه إلى صاحبه، ثم زَجَّج موضعها، ثم أتى بها إلى البحر، فقال: اللهم إنك تعلم أني استسلفت فلانًا ألف دينار فسألني كفيلًا، فقلت: كفى بالله كفيلًا [فرضي بك] وسألني شهيدًا، فقلتُ: كفى بالله شهيدًا. فرضي بك، وإني جَهَدْتُ أن أجد مركبًا أبعث إليه الذي له فلم أقدر، وإني استودعتكها. فرمى بها في البحر حتى وَلَجَتْ فيه، ثم انصرف وهو في ذلك يلتمس مركبًا يخرج إلى بلده، فَخَرَجَ الرجل الذي كان أَسْلَفه ينظر لعل مركبًا يجيئه بماله، فإذا بالـخشبة التي فيها الـمال، فأخذها لأهله حطبًا، فلما كسرها وجد الـمال والصحيفة، ثم قدم الذي كان تَسَلَّف منه، فأتاه بألف دينار، وقال: والله ما زلت جاهدًا في طلب مركب لآتيك بمالك، فما وجدت مركبًا قبل الذي أتيت فيه. قال: هل كنت بَعَثْتَ إليَّ بشيء؟ قال: ألم أُخْبِرْكَ أني لم أجد مركبًا قبل هذا؟ قال: فإن الله قد أَدَّى عنك الذي بعثت في الخشبة، فانصرف بالألف الدينار راشدًا» [رواه البخاري].
وقوله: ﴿ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ﴾ أي: إنَّمَا حَمَلهم على جُحود الحق أنهم يقولون: ليس علينا في ديننا حَرَج في أكل أموال الأمييّن، وهم العَرَب؛ فإن الله قد أحلَّها لنا! قال الله تعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ أي: وقد اختلقوا هذه المقالة، وائتفكوا بهذه الضلالة، فَإن الله حَرَّم عليهم أكل الأموال إلا بحقِّها، وإنما هم قوم بُهْت. عن صَعْصَعَة بن يزيد: أن رجلًا سأل ابن عباس، قال: [إنَّا] نُصِيب في الغزو من أموال أهل الذمة الدجاجةَ والشاةَ؟ قال ابن عباس: فَتَقولون ماذا؟ قال: نقول: ليس علينا بذلك بأس. قال: هذا كما قال أهل الكتاب: ﴿ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ﴾ إنهم إذا أدَّوا الجزية لم تَحِلَّ لكم أموالهُم إلا بِطِيب أنفسهم. ثم قال تعالى: ﴿ بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ ﴾ أي: لكن من أوفى بعهده منكم يا أهل الكتاب، الذي عاهدكم الله عليه، من الإيمان بمحمد ﷺ إذا بُعث، كما أَخَذ العهد والميثاق على الأنبياء وأُممهم بذلك، ﴿ وَاتَّقَىٰ ﴾ محارم الله تعالى، واتَّبَع طاعته وشِرْعَته التي بَعَثَ بها خاتم الرسل وسيد البشر ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾.
الآية (77): يقول تعالى: إن الذين يَعتَاضون عما عاهدوا الله عليه من اتِّبَاع محمد ﷺ، وذِكر صفته للناس وبيان أمره، وعن أيمانهم الكاذبة الفاجرة الآثمة بالأثمان القليلة الزهيدة، وهي عروض هذه الدنيا الفانية الزائلة، فـ﴿ أُولَٰئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ ﴾ أي: لا نصيب لهم فيها، ولا حظَّ لهم منها ﴿ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ أي: برحمة منه لهم، يعني: لا يكلمهم كلامَ لُطفٍ بهم، ولا ينظر إليهم بعين الرحمة ﴿ وَلَا يُزَكِّيهِمْ ْ﴾ أي: من الذنوب والأدناس، بل يأمر بهم إلى النار ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾.