حجم الخط:

الآيات (71-77)

الآية (71): ﴿ وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ أي: وحسبوا ألاّ يترتَّب لهم شرٌّ على ما صنعوا، فتَرَتَّبَ؛ وهو أنهم عموا عن الحق وصَمُّوا، فلا يسمعون حقًّا ولا يهتدون إليه، ﴿ ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أي: مما كانوا فيه، ﴿ ثُمَّ عَمُوا أي: بعد ذلك، ﴿ وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ ۚ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ أي: مطَّلِع عليهم، وعليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الغواية منهم.

الآية (72-75): يقول تعالى حاكمًا بتكفير فرق النصارى، من الملكية واليعقوبية والنسطورية، ممن قال منهم بأن المسيح هو الله! تعالى الله عن قولهم وتنزَّه وتقدَّس علوًّا كبيرًا: ﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ هذا وقد تَقَدَّم إليهم المسيح بأنه عبد الله ورسوله، وكان أول كلمة نطق بها وهو صغير في المهد أن قال: ﴿ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ ، ولم يقل: إني أنا الله، ولا: ابن الله. بل ﴿ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ إلى أن قال: ﴿ وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَٰذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ [مريم:30-36]. وكذلك قال لهم في حال كهولته ونبوته، آمرًا لهم بعبادة الله ربه وربهم وحده لا شريك له؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۖ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ أي: فيعبد معه غيره ﴿ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ أي: فقد أَوجَب له النار، وحَرَّم عليه الجنة؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48، 116]. وفي الصحيح: أن رسول الله بَعَثَ مناديًا يُنادي في الناس: «إن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة»، وفي لفظ: «مؤمنة» [متفق عليه]. ولهذا قال تعالى إخبارًا عن المسيح أنه قال لبني إسرائيل: ﴿ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ أي: وما له عند الله ناصر ولا معين ولا مُنْقِذ مما هو فيه. وقوله: ﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ الصحيح أنها نزلت في النصارى خاصَّة، قاله مجاهد وغير واحد. ثم اختلفوا في ذلك، فقيل: المراد بذلك كُفّارهم في قولهم بالأقانيم الثلاثة، وهو أقنوم الأب، وأقنوم الابن، وأقنوم الكلمة المنبثقة من الأب إلى الابن!! تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا، قاله ابن جرير وغيره. والطوائف الثلاث -من الملكية واليعقوبية والنَّسطورية- تقول بهذه الأقانيم! وهم مختلفون فيها اختلافًا متباينًا، وكل فرقة منهم تُكَفِّر الأخرى، والحقُّ أن الثلاث كافرة. وقال السُّدي وغيره: نزلت في جعلهم المسيح وأمّه إلَهين مع الله، فجعلوا الله ثالث ثلاثة بهذا الاعتبار، قال السُّدي: وهي كقول الله تعالى في آخر السورة: ﴿ وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ الآية [المائدة:116]. وهذا القول هو الأظهر، والله أعلم. قال الله تعالى: ﴿ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ أي: ليس متعددًا، بل هو وحده لا شريك له، إله جميع الكائنات وسائر الموجودات. ثم قال تعالى متوعِّدًا لهم ومتهدِّدًا: ﴿ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ أي: من هذا الافتراء والكذب ﴿ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ أي: في الآخرة من الأغلال والنكال. ثم قال: ﴿ أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ وهذا من كَرَمه تعالى وَجُوده ولُطْفِه ورحمته بخلقه؛ مع هذا الذنب العظيم وهذا الافتراء والكذب والإفك يدعوهم إلى التوبة والمغفرة، فكل من تاب إليه تاب عليه. ثم قال: ﴿ مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أي: له سَوِيَّة أمثاله من سائر المرسلين المتقدمين عليه، وأنه عبدٌ من عباد الله ورسول من رسله الكرام؛ كما قال: ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ [الزخرف:59]. وقوله: ﴿ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ أي: مؤمنة به مصدِّقة له. وهذا أعلى مقاماتها، فدَلَّ على أنها ليست بنبيَّة، كما زَعَمَه ابن حزم وغيره -ممن ذَهَب إلى نبوة سارة أم إسحاق، ونبوة أم موسى، ونبوة أم عيسى- استدلالًا منهم بخطاب الملائكة لسارة ومريم، وبقوله: ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ [القصص:7]، وهذا معنى النبوة، والذي عليه الجمهور: أن الله لم يبعث نبيًا إلا من الرجال؛ قال الله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ [يوسف:109]، وقد حكى الشيخ أبو الحسن الأشعري الإجماع على ذلك. وقوله: ﴿ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ أي: يحتاجان إلى التغذية به، وإلى خروجه منهما، فهما عبدان كسائر الناس، وليسا بإلهين كما زعمه فِرَق النصارى الجهلة، عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة. ثم قال تعالى: ﴿ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ أي: نُوضِّحُها ونُظْهِرُها ﴿ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ أي: ثم انظر بعد هذا البيان والوضوح والجلاء أين يذهبون؟! وبأيّ قول يتمسَّكون؟! وإلى أيّ مذهب من الضلال يذهبون؟!

الآية (76): يقول تعالى منكرًا على من عبد غيره من الأصنام والأنداد والأوثان، ومُبيِّنًا له أنها لا تستحق شيئًا من الإلهية: ﴿ قُلْ أي: يا محمد لهؤلاء العابدين غير الله من سائر فرق بني آدم -ودخل في ذلك النصارى وغيرهم-: ﴿ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا أي: لا يقدر على إيصال ضرّ إليكم، ولا إيجاد نفع، ﴿ وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ أي: فَلِمَ عدلتم عن إفراد السميع لأقوال عباده، العليم بكل شيء إلى عبادةِ جَمَادٍ لا يسمع ولا يُبصِرُ ولا يَعلَمُ شيئًا، ولا يملك ضرًّا ولا نفعًا لغيره ولا لنفسه؟

الآية (77): ﴿ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ أي: لا تُجاوِزوا الحدَّ في اتباع الحق، ولا تُطْروا من أُمِرْتُم بتعظيمه فتبالغوا فيه، حتى تُخرِجوه عن حَيّز النبوة إلى مقام الإلهية، كما صنعتم في المسيح، هو نبي من الأنبياء، فجعلتموه إلهًا من دون الله وما ذاك إلا لاقتدائكم بشيوخ الضلال، الذين هم سَلَفُكم ممن ضلَّ قديمًا ﴿ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ أي: وخرجوا عن طريق الاستقامة والاعتدال، إلى طريق الغواية والضَّلال.