الآية (8): قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا ﴾ أي: توبة صادقة جازمة، تمحو ما قبلها من السيئات، وتلم شعث التائب وتجمعه، وتكفه عما كان يتعاطاه من الدناءات.
قال عمر بن الخطاب: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا ﴾ قال: يذنب الذنب ثم لا يرجع فيه. وقال: التوبة النصوح: أن يتوب من الذنب ثم لا يعود فيه.
وعن النعمان: سُئِل عمر عن التوبة النصوح، فقال: أن يتوب الرجل من العمل السيئ، ثم لا يعود إليه أبدًا. وعن عبد الله بن مسعود: ﴿ تَوْبَةً نَصُوحًا ﴾ قال: يتوب ثم لا يعود. ولهذا قال العلماء: التوبة النصوح هو أن يُقلعَ عن الذنب في الحاضر، ويندمَ على ما سلف منه في الماضي، ويعزِم على ألا يفعل في المستقبل. ثم إن كان الحق لآدمي ردّه إليه بطريقه. عن عبد الله بن مَعقِل قال: دخلت مع أبي عَلى عبد الله بن مسعود فقال: أنت سمعت النبي ﷺ يقول: «الندم توبة؟». قال: نعم. وقال مَرَّة: نعم سمعته يقول: «الندم توبة» [رواه أحمد وابن ماجه، وصحح إسناده أحمد شاكر]. فأما إذا جزم بالتوبة وصَمَّم عليها فإنها تَجُبُ ما قبلها من الخطيئات، كما ثبتت في الصحيح: «الإسلام يَجُب ما قبله، والتوبة تجب ما قبلها» [رواه مسلم].
وهل من شرط التوبة النصوح الاستمرارُ على ذلك إلى الممات؟ أو يكفي العزم على ألا يعود في تكفير الماضي؛ بحيث لو وقع منه ذلك الذنب بعد ذلك لا يكون ذلك ضارًّا في تكفير ما تقدم؟ وللأول أن يحتج بما ثبت في الصحيح أيضًا: «مَن أحسنَ في الإسلام لم يُؤاخَذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أُخذ بالأول والآخر» [رواه البخاري ومسلم]. فإذا كان هذا في الإسلام الذي هو أقوى من التوبة، فالتوبة بطريق الأولى، والله أعلم.
وقوله: ﴿ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾ و«عَسَى» من الله موجبة، ﴿ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ﴾ أي: ولا يخزيهم معه، يعني: يوم القيامة، ﴿ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ ﴾ كما تقدم في سورة الحديد[1] ﴿ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ قال مجاهد والضحاك والحسن البصري وغيرهم: هذا يقوله المؤمنون حين يَرَون يوم القيامة نورَ المنافقين قد طفِئ.
الآية (9): يقول تعالى آمرًا رسوله ﷺ بجهاد الكفار والمنافقين، هؤلاء بالسلاح والقتال، وهؤلاء بإقامة الحدود عليهم، ﴿ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ﴾ أي: في الدنيا. ﴿ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾ أي: في الآخرة.
الآية (10): قال تعالى: ﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أي: في مخالطتهم المسلمين ومعاشرتهم لهم، أن ذلك لا يجدي عنهم شيئًا، ولا ينفعهم عند الله، إن لم يكن الإيمان حاصلًا في قلوبهم.
ثم ذكر المثل فقال: ﴿ امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ ۖ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ ﴾ أي: نبيين رسولين عندهما في صحبتهما ليلًا ونهارًا، يؤاكلانهما ويضاجعانهما ويعاشرانهما أشد العشرة والاختلاط، ﴿ فَخَانَتَاهُمَا ﴾ أي: في الإيمان، لم يوافقاهما على الإيمان، ولا صدقاهما في الرسالة، فلم يُجْد ذلك كلُّه شيئًا، ولا دفع عنهما محذورًا؛ ولهذا قال: ﴿ فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ﴾ لكفرهما، ﴿ وَقِيلَ ﴾ أي: للمرأتين: ﴿ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ ﴾.
وليس المراد: ﴿ فَخَانَتَاهُمَا ﴾ في فاحشة، بل في الدين؛ فإن نساء الأنبياء معصوماتٌ عن الوقوع في الفاحشة؛ لحرمة الأنبياء.
قال ابن عباس في هذه الآية: ﴿ فَخَانَتَاهُمَا ﴾ قال: ما زنتا، أما امرأة نوح فكانت تخبر أنه مجنون، وأما خيانة امرأة لوط فكانت تدل قومها على أضيافه.
الآية (11): هذا مَثَلٌ ضربه الله للمؤمنين أنهم لا تضرهم مخالطة الكافرين إذا كانوا محتاجين إليهم؛ كما قال تعالى: ﴿ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ﴾ [آل عمران:28].
قال قتادة: كان فرعون أعتى أهل الأرض وأبعده، فوالله ما ضر امرأتَه كُفرُ زوجِها حين أطاعت ربها لتعلموا أن الله حَكَمٌ عدل، لا يؤاخذ أحدًا إلا بذنبه. فقولها: ﴿ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ ﴾ قال العلماء: اختارت الجار قبل الدار، ﴿ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ ﴾ أي: خلِّصني منه؛ فإني أبرأ إليك من عمله، ﴿ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾. وهذه المرأة هي آسية بنت مزاحم.
الآية (12): قوله: ﴿ وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا ﴾ أي: حفظته وصانته. والإحصان هو: العفاف والحرية، ﴿ فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا ﴾ أي: بواسطة الَملَك، وهو جبريل؛ فإن الله بعثه إليها فتمثل لها في صورة بشر سَوي، وأمره الله تعالى أن ينفخ بفيه في جيب درعها، فنزلت النفخة فولجت في فرجها، فكان منه الحمل بعيسى عليه السلام. قال: ﴿ وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ ﴾ أي: بقدره وشرعه ﴿ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ ﴾.
عن ابن عباس قال: خَطّ رسول الله ﷺ في الأرض أربعة خطوط، وقال: «أتدرون ما هذا؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال رسول الله ﷺ: «أفضل نساء أهل الجنة: خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم ابنة عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون» [رواه أحمد، وصحح إسناده أحمد شاكر]. وثبت في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري، عن النبي ﷺ أنه قال: «كَمُلَ من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وخديجة بنت خُوَيلد، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثَّرِيد على سائر الطعام».