حجم الخط:

الآيات (8-14)

الآية (8): ﴿ أَفْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ هو في هذا الإخبار لا يخلو أمره من قسمين: إما أن يكون قد تعمد الافتراء على الله أنه قد أوحى إليه ذلك، أو أنه لم يتعمد لكن لُبّس عليه كما يُلَبَّس على المعتوه والمجنون، ولهذا قالوا: ﴿ أَفْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ قال الله عز وجل رادًا عليهم: ﴿ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ أي: ليس الأمر كما زعموا ولا كما ذهبوا إليه، بل محمد هو الصادق البار الراشد الذي جاء بالحق، وهم الكذبة الجهلة الأغبياء ﴿ فِي الْعَذَابِ أي: الكفر المفضي بهم إلى عذاب الله ﴿ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ من الحق في الدنيا.

الآية (9): ثم قال منبهًا لهم على قدرته في خلق السموات والأرض: ﴿ أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أي: حيثما توجهوا وذهبوا، فالسماء مُظلّة عليهم والأرض تحتهم؛ كما قال: ﴿ وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ﴿٤٧ وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ [الذاريات:47-48]. عن قتادة قال: إنك إن نظرت عن يمينك أو عن شمالك، أو من بين يديك أو من خلفك، رأيت السماء والأرض. قوله: ﴿ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ أي: لو شئنا لفعلنا بهم ذلك لظلمهم وقدرتنا عليهم، ولكن نؤخر ذلك لحلمنا وعفونا. قال: ﴿ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ قال قتادة: المنيب: المقبل على الله عز وجل ؛ أي: إن في النظر إلى خلق السماء والأرض لدلالة لكل عبد فَطِن لبيب رَجَّاع إلى الله على قدرة الله تعالى على بعث الأجساد ووقوع المعاد؛ لأن من قدر على خلق هذه السموات في ارتفاعها واتساعها، وهذه الأرضين في انخفاضها وأطوالها وأعراضها، إنه لقادر على إعادة الأجسام ونشر الرميم من العظام؛ كما قال تعالى: ﴿ أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَىٰ [يس:81]، وقال: ﴿ لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [غافر:57].

الآية (10-11): يخبر تعالى عما أنعم به على عبده ورسوله داود مما آتاه من الفضل المبين، وجمع له بين النبوة والملك المتمكن، والجنود ذوي العَدَد والعُدَد، وما أعطاه ومنحه من الصوت العظيم، الذي كان إذا سبح به تسبح معه الجبال الراسيات، الصم الشامخات، وتقف له الطيور السارحات، والغاديات والرائحات، وتجاوبه بأنواع اللغات. ومعنى قوله: ﴿ أَوِّبِي : التأويب في اللغة هو الترجيع، فأمرت الجبال والطير أن ترجع معه بأصواتها؛ أي: رَجّعي مُسَبّحة معه. وقوله: ﴿ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ قال الحسن البصري: كان لا يحتاج أن يُدخلَه نارًا ولا يضربه بمطرقة، بل كان يفتله بيده مثل الخيوط؛ ولهذا قال: ﴿ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وهي: الدروع. قال قتادة: وهو أول من عملها من الخلق، وإنما كانت قبل ذلك صفائح. قوله: ﴿ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ هذا إرشاد من الله تعالى لنبيه داود عليه السلام في تعليمه صنعة الدروع. قال مجاهد: لا تُدِقّ المسمار فَيقلَق في الحلقة، ولا تُغَلّظه فيفصمها، واجعله بقدر. وقال ابن عباس: السَّرد: حَلَق الحديد. وقال بعضهم: يقال: درع مسرودة: إذا كانت مسمورة الحلق. قوله: ﴿ وَاعْمَلُوا صَالِحًا أي: في الذي أعطاكم الله من النعم، ﴿ إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ أي: مراقب لكم، بصير بأعمالكم وأقوالكم، لا يخفى عليَّ من ذلك شيء.

الآية (12): لما ذكر تعالى ما أنعم به على داود، عطف بذكر ما أعطى ابنه سليمان -عليهما الصلاة والسلام- من تسخير الريح له تحمل بساطه، ﴿ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ . قوله: ﴿ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ قال ابن عباس: القطر: النحاس. قال السُّدي: وإنما أسيلت له ثلاثة أيام. قوله: ﴿ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ أي: وسخرنا له الجن يعملون بين يديه بإذن الله، أي: بقدره وتسخيره لهم بمشيئته ما يشاء من البنايات وغير ذلك. ﴿ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا أي: ومن يعدل ويخرج منهم عن الطاعة ﴿ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ وهو الحريق. قال الحسن: الجن ولد إبليس، والإنس ولد آدم، ومن هؤلاء مؤمنون ومن هؤلاء مؤمنون، وهم شركاؤهم في الثواب والعقاب، ومن كان من هؤلاء وهؤلاء مؤمنًا فهو ولي الله، ومن كان من هؤلاء وهؤلاء كافرًا فهو شيطان.

الآية (13): ﴿ يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ أما المحاريب فهي البناء الحسن، وهو أشرف شيء في المسكن وصدره. وقال مجاهد: المحاريب: بنيان دون القصور. وقال الضحاك: هي المساجد. وقال قتادة: هي المساجد والقصور. وقال ابن زيد: هي المساكن. وأما التماثيل فقال عطية العوفي والضحاك والسدي: التماثيل: الصور. قال مجاهد: وكانت من نحاس. وقال قتادة: من طين وزجاج. ﴿ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ الجواب: جمع جابية، وهي الحوض الذي يجبى فيه الماء. وقال ابن عباس: ﴿ كَالْجَوَابِ أي: كالجَوبة من الأرض. وقال العوفي عنه: كالحياض. والقدور الراسيات: أي الثابتات في أماكنها لا تتحول ولا تتحرك عن أماكنها لعظمها. وقال عكرمة: أثافيها منها. قوله: ﴿ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا أي: وقلنا لهم اعملوا شكرًا على ما أنعم به عليكم في الدنيا والدين. و ﴿ شُكْرًا : مصدر من غير الفعل، أو أنه مفعول له، وعلى التقديرين فيه دلالة على أن الشكر يكون بالفعل كما يكون بالقول وبالنية. قال أبو عبد الرحمن السلمي: الصلاة شكر، والصيام شكر، وكل خير تعمله لله شكر. وأفضل الشكر: الحمد. وعن محمد بن كعب القُرَظي قال: الشكر: تقوى الله والعمل الصالح. وهذا يقال لمن هو متلبس بالفعل، وقد كان آل داود كذلك قائمين بشكر الله قولًا وعملًا. قوله: ﴿ وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ إخبار عن الواقع.

الآية (14): ﴿ فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ ۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ يذكر تعالى كيفية موت سليمان عليه السلام، وكيف عَمَّى الله موته على الجانّ المسخرين له في الأعمال الشاقة؛ فإنه مكث متوكئًا على عصاه - وهي مِنْسَأته -كما قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد - مدة طويلة نحوًا من سنة، فلما أكلتها دابةُ الأرض، وهي الأرضة، ضعفت وسقط إلى الأرض، وعلم أنه قد مات قبل ذلك بمدة طويلة، تبينت الجن والإنس أيضًا أن الجن لا يعلمون الغيب كما كانوا يتوهمون ويوهمون الناس ذلك.