الآية (88): ثم قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ ﴾ أي: عذابًا على كفرهم، وعذابًا على صَدِّهم الناس عن اتباع الحق؛ كما قال تعالى: ﱡﭐ وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ ﱠ [الأنعام: 26]. وهذا دليل على تفاوت الكفار في عذابهم، كما يتفاوت المؤمنون في منازلهم في الجنة.
الآية (89): يقول تعالى مخاطبًا عبده ورسوله محمدًا ﷺ: ﴿ وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ۖ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ ﴾ يعني: أمته، أي: اذكُر ذلك اليوم وهولَه وما مَنَحَك الله فيه من الشَّرف العظيم والـمَقَامِ الرفيع. وقوله: ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ ﴾ قال ابن مسعود: قد بُيِّنَ لنا في هذا القرآن كلُّ عِلْمٍ، وكلُّ شيء. وقال مجاهد: كل حلال وحرام. وقول ابن مسعود: أعَمُّ وأشمل؛ فإن القرآن اشتمل على كل علم نافع من خبر ما سبق، وعِلم ما سيأتي، وحكم كل حلال وحرام، وما الناس إليه محتاجون في أمر دنياهم ودينهم، ومعاشهم ومعادهم، ﴿ وَهُدًى ﴾ أي: للقلوب، ﴿ وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ ﴾. ووجه اقتران قوله: ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ ﴾ مع قوله: ﴿ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ ﴾ أن المراد - والله أعلم- أن الذي فَرَض عليك تبليغ الكتاب الذي أنزله عليك، سائلك عن ذلك يوم القيامة.
الآية (90): يخبر تعالى أنه يأمر عباده بالعدل، وهو القسط والموازنة، ويَندُب إلى الإحسان؛ كما قال تعالى: ﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾ [الشورى:40]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على هذا، من شرعية العَدْل والنَّدْب إلى الفَضل. وقال ابن عباس: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ﴾ قال: شهادة أن لا إله إلا الله. وقال ابن عُيَينَة: العدل في هذا الموضع هو استواء السريرة والعلانية من كل عامل لله عملًا. والإحسان: أن تكون سَرِيرَتُه أحسنَ من علانيته، والفحشاء والمنكر: أن تكون علانيته أحسن من سَرِيرَته.
وقوله: ﴿ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ ﴾ أي: يأمر بصلة الأرحام.
وقوله: ﴿ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾ فالفواحش: المحرمات، والمنكرات: ما ظَهَر منها من فاعلها؛ ولهذا قال في الموضع الآخر: ﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ﴾ [الأعراف:33]. وأما البَغي فهو: العدوان على الناس. وقد جاء في الحديث: «ما من ذَنْب أجدرُ أن يعجِّل الله عقوبته في الدنيا، مع ما يُدَّخَر لصاحبه في الآخرة، من البغي وقطيعة الرحم» [رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني].
وقوله: ﴿ يَعِظُكُمْ ﴾ أي: يأمركم بما يأمركم به من الخير، وينهاكم عما ينهاكم عنه من الشر، ﴿ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾.
قال ابن مسعود: إنَّ أجمعَ آية في القرآن في سورة النحل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ﴾ الآية. عن قتادة: ليس من خُلُق حَسَن كان أهل الجاهلية يعملون به ويستحسنون إلا أمر الله به، وليس من خُلُق سيِّئ كانوا يَتَعَايَرونه بينهم إلا نَهى الله عنه وقَدَّم فيه. وإنما نَهَى عن سَفَاسِفِ الأخلاق ومَذَامِّها.
الآية (91-92): وهذا ممَّا يأمر الله تعالى به، وهو: الوفاء بالعهود والمواثيق، والمحافظة على الأيمان الـمُؤَكَّدَة؛ ولهذا قال: ﴿ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا ﴾. ولا تعارض بين هذا وبين قوله: ﴿ وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ ﴾ [البقرة:224] وبين قوله تعالى: ﴿ ذَٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ ﴾ [المائدة:89] أي: لا تتركوها بلا تكفير، لا تعارض بين هذا ولا بين الآية المذكورة ههنا، وهي قوله: ﴿ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا ﴾؛ لأن هذه الأيمان المراد بها الداخلة في العهود والمواثيق، لا الأيمان التي هي واردة على حَثّ أو مَنْع؛ ولهذا قال مجاهد في قوله: ﴿ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا ﴾ يعني: الحِلْف، أي: حِلْفَ الجاهلية؛ ويؤيِّده ما روي عن جُبَيْر بن مطعم قال: قال رسول الله ﷺ: «لا حِلْف في الإسلام، وأيُّما حِلْف كان في الجاهلية لم يَزِدْه الإسلام إلا شدة» [رواه مسلم]. ومعناه: أن الإسلام لا يحتاج معه إلى الحِلْف الذي كان أهل الجاهلية يفعلونه؛ فإن في التمسُّك بالإسلام كفاية عما كانوا فيه. وأما ما ورد في الصحيحين عن أنس، أنه قال: حالف رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار في دارنا. فمعناه: أنه آخى بينهم، فكانوا يتوارثون به، حتى نَسَخ الله ذلك، والله أعلم. وقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ تهديد ووعيد لمن نَقَض الأيمان بعد توكيدها. وقوله: ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا ﴾ قال مجاهد وقتادة: هذا مَثَلٌ لمن نَقَض عهده بعد توكيده. ﴿ أَنْكَاثًا ﴾ يحتمل أن يكون اسم مصدر: نَقَضت غَزلها أنكاثًا، أي: أنقاضًا. ويُحتمل أن يكون بدلًا عن خبر كان، أي: لا تكونوا أنكاثًا، جمع نكث من نَاكِثٍ؛ ولهذا قال بعده: ﴿ تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ ﴾ أي: خديعةً ومكرًا. ﴿ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ ﴾ أي: تحلفون للناس إذا كانوا أكثر منكم ليطمئنوا إليكم، فإذا أمكنكم الغدر بهم غَدَرتُم. فنَهَى الله عن ذلك، لِيُنَبِّهَ بالأدنى على الأعلى؛ إذا كان قد نهى عن الغدر والحالة هذه، فلَأَنْ ينهى عنه مع التمكُّن والقدرة بطريق الأولى. قال ابن عباس: ﴿ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ ﴾ أي: أكثر. وقال مجاهد: كانوا يحالفون الحلفاء، فيجدون أكثر منهم وأعزَّ، فينقضون حِلْف هؤلاء ويُحالفون أولئك الذين هم أكثر وأعزُّ، فنُهُوا عن ذلك.
وقوله: ﴿ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ ﴾ قال ابن جُبَير: يعني بالكثرة، وقال ابن جرير: أي: بأمره إياكم بالوفاء والعهد. ﴿ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ فيُجَازى كل عامل بعمله، من خير وشرّ.
الآية (93): يقول تعالى: ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ ﴾ أيها الناس ﴿ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾، كما قال تعالى: ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ﴾ [يونس:99] أي: لوَفَّق بينكم، ولَـمَا جَعَل اختلافًا ولا تباغُضَ ولا شحناء. ﴿ وَلَٰكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾ ثم يسألكم يوم القيامة عن جميع أعمالكم، فيُجازيكم عليها على الْفَتِيلِ وَالنَّقِيرِ والقِطْمير.